هل تنتهي أزمة الديزل قريباً؟

لم تعد أزمة الطاقة العالمية في خريف 2026 مجرد قصة عن سعر برميل النفط، بل تحولت إلى أزمة أكثر تعقيداً تدور حول ما يحدث بعد خروج النفط الخام من البئر. فالعالم يملك النفط، لكن المشكلة المتصاعدة تكمن في القدرة على تحويله بالسرعة والكميات الكافية إلى ديزل ووقود طائرات ومنتجات مكررة يحتاج إليها الاقتصاد يومياً.. ومن هنا يأتي السؤال الذي يشغل الحكومات والأسواق معاً: هل تنتهي أزمة الديزل قريباً؟

الإجابة الأقرب، وفق المؤشرات الحالية، هي: قد تتراجع حدة الأزمة والأسعار خلال الأسابيع المقبلة، لكن من المبكر إعلان نهايتها. فالتحرك المنسق لمجموعة السبع وضخ الوقود من الاحتياطيات الاستراتيجية قادران على إطفاء جزء من الحريق، لكنهما لا يصلحان وحدهما الخلل الهيكلي الذي أصاب شبكة التكرير وتجارة المنتجات النفطية عالمياً.

100 مليون برميل

جاء أقوى تحرك حتى الآن في الثاني من أكتوبر، عندما اتفقت دول مجموعة السبع على إطلاق 100 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية عبر آلية منسقة مع وكالة الطاقة الدولية. والأهم أن الخطة لا تتعامل مع الديزل باعتباره مجرد منتج ضمن الحزمة؛ بل تعطيه الأولوية. فقد نص بيان مجموعة السبع على بدء الإفراج فوراً وعلى مدى أربعة أشهر، مع ضخ كمية كبيرة من الديزل بصورة مبكرة خلال أول 20 يوماً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام دفعات إضافية إذا استدعت أوضاع السوق ذلك.

هذه الخطوة تحمل رسالة نفسية وتجارية مهمة للأسواق: الحكومات لن تقف مكتوفة الأيدي أمام نقص الوقود، ولن تسمح بسهولة بتحول أزمة الإمدادات إلى سباق عالمي لتخزين الديزل. لكنها تحمل في الوقت نفسه اعترافاً ضمنياً بأن المشكلة أصبحت خطيرة بما يكفي لاستدعاء مخزونات الطوارئ.

325 مليون برميل

المفارقة الأكثر أهمية أن العالم لم يبدأ الآن استخدام سلاح الاحتياطيات. فقد كشفت وكالة الطاقة الدولية أن الدول الأعضاء أطلقت بالفعل نحو 325 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية من أصل 400 مليون برميل تعهدت بها في مارس، أي أكثر من 80% من الكمية المقررة. وتقول الوكالة إن هذه البراميل ساهمت بصورة مهمة في سد فجوة الإمدادات وتهدئة الأسواق.

لكن بقاء أزمة الديزل رغم ضخ مئات الملايين من البراميل يكشف طبيعة المشكلة. فليس كل برميل نفط برميلاً من الديزل. يمكن للحكومات ضخ ملايين البراميل من الخام، لكن هذا الخام يحتاج إلى مصافٍ قادرة على معالجته، ثم شبكات نقل وسفن وخزانات ومحطات توزيع تنقل المنتجات إلى المكان الذي يحتاج إليها.

ولهذا قالت وكالة الطاقة الدولية إن صادرات الخام من الشرق الأوسط تعافت بصورة كبيرة، في حين بقيت تدفقات المنتجات المكررة مقيدة بشدة. كما أضافت الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية ضغوطاً جديدة على سوق الديزل.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية.. فالأزمة انتقلت من آبار النفط إلى أبواب المصافي، وطوال عقود كان الخوف التقليدي في أسواق الطاقة مرتبطاً بنقص الخام. اليوم أصبحت الأسواق تخشى سؤالاً مختلفاً: حتى لو وجد النفط، أين المصافي التي ستحوله إلى الوقود المطلوب؟.

فقد أظهرت الأزمة الحالية مدى حساسية شبكة التكرير العالمية. فاضطرابات الشرق الأوسط، وتراجع تدفقات المنتجات المكررة، والأضرار التي لحقت بالمصافي الروسية، كلها اجتمعت في توقيت واحد تقريباً. وفي شهر أغسطس الماضي، أشارت تحليلات وكالة "رويترز" إلى أن الاضطرابات أدت إلى اختفاء نحو 20 % من تجارة الديزل المنقولة بحراً، ما ساهم في استنزاف المخزونات ورفع هوامش التكرير.

ووصلت الإشارة الأخطر من سوق التكرير نفسها. ففي الولايات المتحدة/ تجاوز هامش تكرير الديزل في أغسطس مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى، ووصل إلى مستوى قياسي بلغ نحو 102.20 دولار للبرميل، في انعكاس واضح للاختلال الكبير بين قيمة الخام وقيمة الوقود النهائي.

وفي آسيا قفزت هوامش تكرير الديزل منخفض الكبريت في سبتمبر إلى أكثر من 87 دولاراً للبرميل، وهو مستوى قياسي أيضاً. بمعنى آخر، السوق ترسل رسالة واضحة: البرميل المكرر أصبح أثمن كثيراً من البرميل الخام.

الصين تضيف عقدة جديدة

وبينما تبحث أوروبا والولايات المتحدة عن المزيد من الديزل، جاءت الصين لتضيف عنصراً جديداً إلى المعادلة. فقد أوقف مصافٍ صينية صادرات المنتجات النفطية إلى خارج هونغ كونغ وماكاو خلال أكتوبر، في خطوة تستهدف إعطاء الأولوية لأمن الطاقة الداخلي، لكنها تعني عملياً تقليص أحد مصادر الإمدادات المهمة للأسواق الآسيوية والدولية.

وتكتسب الخطوة الصينية أهمية خاصة لأن أي نقص في آسيا لا يبقى محصوراً هناك. فالديزل سوق عالمية مترابطة؛ وعندما ترتفع الأسعار في سنغافورة، تتغير اتجاهات الناقلات والشحنات، وعندما تصبح آسيا أكثر جاذبية للبائعين، قد تقل البراميل المتاحة لأوروبا أو أفريقيا والعكس صحيح. وهكذا تتحول الأزمة إلى منافسة بين القارات على البرميل نفسه.

مخزونات أمريكا تحت الضغط

ولا تبدو الصورة أكثر راحة في الولايات المتحدة، فقد توقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية في تقريرها الصادر في سبتمبر أن تنخفض مخزونات نواتج التقطير ـ التي تشمل الديزل ـ إلى أقل من 100 مليون برميل، وأن تظل دون الحد الأدنى لنطاق السنوات الخمس السابقة حتى نهاية 2026 وخلال معظم عام 2027.

وهذه نقطة بالغة الأهمية عند محاولة الإجابة عن سؤال موعد انتهاء الأزمة. فالمخزونات الاستراتيجية تستطيع ضخ الوقود إلى السوق اليوم، لكنها لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية. بل إن كل برميل يخرج من الاحتياطي يخلق سؤالاً مؤجلاً: متى ستعيد الحكومات شراءه؟. وعندما تبدأ مرحلة إعادة بناء المخزونات، تتحول الحكومات نفسها من بائع استثنائي للنفط والوقود إلى مشترٍ، ما قد يضيف طلباً جديداً إلى السوق.

لماذا يمكن أن تنخفض الأسعار سريعاً؟

ومع ذلك، هناك أسباب حقيقية للاعتقاد بأن الأسابيع المقبلة قد تكون أفضل من الأسابيع الماضية، أولها: أن مجموعة السبع قررت تقديم ضخ الديزل إلى بداية برنامج الإفراج بدلاً من توزيعه بالتساوي على الأشهر الأربعة، وهذا يعني وصول تأثير ملموس إلى السوق خلال فترة قصيرة نسبياً.

وثانيها أن المجموعة تعهدت بعدم فرض قيود على صادرات الطاقة بين دولها، وهي خطوة شديدة الأهمية لأن القيود التصديرية أثناء الأزمات قد تحول نقصاً عالمياً يمكن إدارته إلى سلسلة من الأزمات المحلية الحادة.

وثالثها أن ارتفاع هوامش التكرير إلى مستويات استثنائية يمنح المصافي حافزاً اقتصادياً قوياً للعمل بأقصى طاقة ممكنة وإنتاج المزيد من الديزل.

وإذا اجتمعت هذه العوامل مع استمرار تحسن حركة الخام عبر الشرق الأوسط وعدم حدوث ضربات كبيرة جديدة للمصافي أو طرق الملاحة، فقد تبدأ الفجوة بين العرض والطلب في الانكماش. وعندها يمكن أن تتراجع الأسعار بسرعة أكبر مما يتوقع البعض، خصوصاً أن أسواق السلع لا تنتظر دائماً وصول البراميل فعلياً؛ بل تتحرك بمجرد اقتناع المتعاملين بأن نقص المستقبل أصبح أقل حدة.

الشتاء على الأبواب

المشكلة أن الأزمة تدخل الآن فترة حساسة، فالربع الأخير من العام يعني اقتراب الشتاء في نصف الكرة الشمالي، وارتفاع الطلب على وقود التدفئة في بعض الأسواق، بالتزامن مع استمرار احتياجات النقل والشحن والزراعة.

والديزل ليس وقوداً عادياً يمكن النظر إليه فقط من زاوية محطات تعبئة السيارات، إنه وقود الشاحنات والآليات الزراعية والمعدات الثقيلة وجزء كبير من النشاط الصناعي واللوجستي. ولذلك فإن ارتفاع سعره ينتقل سريعاً من المضخة إلى تكلفة نقل الغذاء والبضائع ومواد البناء، ثم إلى أسعار المستهلك والتضخم. ولهذا أصبحت أزمة الديزل مشكلة اقتصادية وسياسية، وليست مجرد مشكلة طاقة.

ثلاثة مفاتيح

وعملياً، ستتوقف سرعة الخروج من الأزمة على ثلاثة متغيرات رئيسية: الأول هو عودة تدفقات المنتجات المكررة من الشرق الأوسط إلى مستويات طبيعية ومستقرة، والثاني هو وضع المصافي الروسية واستمرار أو توقف الاضطرابات التي أصابت قدرتها على الإنتاج والتصدير، أما الثالث فهو الصين، فإذا استأنفت صادرات الوقود بصورة واسعة، فسوف يدخل إلى السوق الآسيوية متنفس مهم يمكن أن ينعكس على الأسعار عالمياً. أما استمرار القيود، فسيبقي المنافسة على البراميل مرتفعة.

وفوق ذلك كله يأتي العامل الجيوسياسي؛ فأي اضطراب جديد في طرق الشحن أو منشآت التكرير قادر على محو جزء كبير من أثر الإفراج عن الاحتياطيات خلال فترة قصيرة.

هل تنتهي الأزمة قريباً؟

الأرجح أن مرحلة الذروة قد تبدأ في الانحسار إذا نجحت إجراءات مجموعة السبع ولم تقع اضطرابات جديدة، لكن الأزمة نفسها مرشحة لأن تستمر بأشكال متفاوتة إلى 2027. وتدعم هذا السيناريو تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التي تتوقع استمرار ضعف مخزونات نواتج التقطير الأمريكية خلال معظم العام المقبل، فيما أشارت تقارير حديثة إلى أن نقص الديزل العالمي قد يمتد إلى 2027 مع استنزاف المخزونات.

لذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة أشياء: انخفاض الأسعار، وتراجع حدة الأزمة، وانتهاء الأزمة. قد يحدث الأول خلال أسابيع إذا وصلت الكميات المفرج عنها بسرعة إلى الأسواق، وقد يحدث الثاني خلال الأشهر المقبلة إذا ارتفع تشغيل المصافي وتحسنت التجارة الدولية، أما الثالث فيحتاج إلى عودة شبكة إنتاج وتجارة الديزل العالمية إلى وضع تستطيع فيه تلبية الطلب دون الاعتماد المتكرر على مخزونات الطوارئ، وهذا لم يتحقق بعد.

المخزون يطفئ الحريق

في النهاية، تحمل أزمة الديزل درساً أكبر من تقلب أسعار الوقود. فقد نجح العالم نسبياً في بناء احتياطيات ضخمة من النفط لمواجهة الصدمات، لكنه اكتشف أن أمن الطاقة لا يقاس بعدد البراميل الموجودة تحت الأرض أو داخل الخزانات فقط، بل بعدد البراميل التي تستطيع المصافي تحويلها يومياً إلى وقود قابل للاستخدام.

إن إطلاق 100 مليون برميل جديد، بعد ضخ نحو 325 مليون برميل منذ مارس، يمنح الاقتصاد العالمي مظلة حماية مهمة. لكنه في الوقت نفسه يوضح حجم الضغط الذي تتعرض له المنظومة.

فالاحتياطيات تستطيع شراء الوقت، وتهدئة المضاربين، وتعويض جزء من النقص، لكنها لا تستطيع إصلاح مصفاة متضررة، ولا فتح طريق ملاحي مضطرب، ولا إجبار دولة مصدرة على إعادة فتح صادراتها.

ولهذا فإن الإجابة عن السؤال «هل تنتهي أزمة الديزل قريباً؟» تحمل قدراً من التفاؤل المشروط: الأسعار قد تهدأ قريباً، والاختناق قد يبدأ في التراجع، لكن العالم لم يخرج من أزمة الديزل بعد. والاختبار الحقيقي لن يكون في عدد البراميل التي تستطيع الحكومات إخراجها من مخزوناتها خلال أكتوبر، بل في قدرتها على الوصول إلى يوم لا تضطر فيه إلى إخراجها أصلاً.