تحتفل مجموعة «اتصالات» بمرور 50 عاماً على انطلاق أعمالها، مستعيدةً مسيرة امتدت من التأسيس عام 1976 بوصفها أول شركة للاتصالات في الإمارات، إلى تحولها اليوم إلى مجموعة تكنولوجية عالمية تمتد أعمالها عبر أسواق متعددة في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا.
ويمثل اليوبيل الذهبي للمجموعة محطة بارزة في تاريخ قطاع الاتصالات الإماراتي، إذ تزامنت رحلة «اتصالات» على مدى نصف قرن مع مسيرة النمو الاقتصادي والعمراني والتكنولوجي للدولة، وأسهمت خلالها في بناء البنية التحتية للاتصالات وربط الأفراد والمؤسسات، قبل أن تنتقل من نموذج شركة الاتصالات التقليدية إلى منظومة أوسع تضم الخدمات الرقمية والتكنولوجيا المالية والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وحلول المؤسسات.
وحين انطلقت «اتصالات» في دولة الإمارات عام 1976، كان قطاع الاتصالات العالمي مختلفاً جذرياً عما نعرفه اليوم؛ فلم يكن الهاتف المحمول قد أصبح جزءاً من الحياة اليومية، ولم يكن الإنترنت قد خرج إلى الاستخدام الجماهيري، بينما كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والجيل الخامس أقرب إلى تصورات المستقبل. وبعد نصف قرن، تحتفل الشركة بمرور 50 عاماً على تأسيسها، وقد تحولت من مشغل وطني للاتصالات إلى مجموعة تكنولوجية عالمية تمتد أعمالها عبر عشرات الأسواق.
تأسست مؤسسة الإمارات للاتصالات عام 1976 بموجب مرسوم اتحادي، لتبدأ رحلة ارتبطت بصورة وثيقة بمسيرة التنمية في الإمارات، وتتحول شبكات الهاتف والاتصال التي بنتها على مدى العقود التالية إلى جزء من البنية التحتية التي واكبت النمو السكاني والعمراني والاقتصادي للدولة.
نصف قرن من التحولات
ولم تكن رحلة الخمسين عاماً مجرد توسع في أعداد المشتركين، بل كانت سلسلة من القفزات التكنولوجية. ففي عام 1982 أطلقت الشركة أول شبكة للهاتف المحمول في الشرق الأوسط، ثم قدمت عام 1994 أول خدمة GSM في المنطقة، قبل أن تطلق خدمات الإنترنت في الإمارات عام 1995، وتدخل عصر الإنترنت فائق السرعة عبر تقنيات ADSL في عام 1999.
ومع كل جيل جديد من التكنولوجيا، تحولت «اتصالات» من مجرد ناقل للمكالمات إلى أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الرقمي.
ومثّل عام 2022 نقطة تحول تاريخية عندما أطلقت المجموعة هويتها الجديدة «إي آند»، في خطوة تجاوز هدفها تغيير الاسم أو الشعار إلى إعادة صياغة نموذج الأعمال نفسه، والتحول من شركة اتصالات تقليدية إلى مجموعة تكنولوجية واستثمارية ذات أنشطة تشمل الاتصالات والخدمات الرقمية والتكنولوجيا المالية والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
واليوم تقول المجموعة إنها تعمل في 38 دولة عبر الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا ووسط وشرق أوروبا، وهو فارق هائل بين شركة بدأت قبل خمسة عقود لتأسيس البنية الهاتفية لدولة فتية، ومجموعة عالمية ذات حضور عابر للقارات.
أرقام بحجم رحلة الخمسين عاماً
وتدخل المجموعة عامها الخمسين وهي في واحدة من أقوى مراحلها المالية والتشغيلية. فقد سجلت المجموعة خلال عام 2025 إيرادات قياسية بلغت 72.9 مليار درهم، بزيادة سنوية 23.1%، فيما ارتفع صافي الأرباح الموحدة 33.6 % إلى 14.4 مليار درهم، ووصلت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء إلى 32 مليار درهم.
وتكشف مقارنة هذه الأرقام ببدايات الشركة عن حجم المسافة التي قطعتها خلال نصف قرن. فبنهاية 2025 بلغ عدد مشتركي المجموعة عالمياً 244.7 مليون مشترك، ثم ارتفع إلى 251.5 مليون مشترك في الربع الثاني من 2026، بزيادة سنوية بلغت 30.4%. أما في الإمارات، فوصل عدد المشتركين إلى نحو 16.5 مليون مشترك بنهاية النصف الأول من العام الجاري.
وخلال النصف الأول من عام 2026 وحده سجلت المجموعة إيرادات موحدة بلغت 38.1 مليار درهم، مقابل 34.2 مليار درهم في الفترة المقابلة، فيما وصلت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء إلى 17.7 مليار درهم. وهي أرقام تمنح احتفال اليوبيل الذهبي بعداً يتجاوز استعادة الماضي إلى تأكيد قدرة المجموعة على مواصلة النمو في المستقبل.
من الهاتف إلى الذكاء الاصطناعي
وربما تكون المفارقة الأبرز في رحلة المجموعة أنها الشركة التي بدأت أعمالها عندما كان التحدي يتمثل في إيصال الهاتف إلى المنازل والمؤسسات، تدخل عقدها السادس وهي تتحدث عن الذكاء الاصطناعي والجيل السادس والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والخدمات المالية الرقمية.
وفي الإمارات، عززت الشركة خلال 2025 استثماراتها في شبكات المستقبل، وأطلقت أول شبكة 5.5G في المنطقة، كما أجرت بالتعاون مع جامعة نيويورك أبوظبي تجربة لتقنيات الجيل السادس باستخدام نطاقات التيراهيرتز حققت سرعات بلغت 145 جيجابت في الثانية، إضافة إلى تطوير نموذج أولي لتقنية 200G PON. كما أضافت أكثر من ألفي موقع جديد لشبكة الهاتف المحمول لمواكبة النمو المتواصل في الطلب على البيانات.
وبذلك لم يعد الاتصال بالنسبة إلى المجموعة مجرد شبكة تربط هاتفاً بآخر، بل أصبح منظومة تربط الإنسان بالاقتصاد والخدمات الحكومية والبنوك والمدن الذكية والشركات ومراكز البيانات ومنصات الذكاء الاصطناعي.
قصة تتقاطع مع قصة الإمارات
ولا يمكن قراءة خمسين عاماً من تاريخ «اتصالات» بمعزل عن التحول الاقتصادي الذي شهدته دولة الإمارات نفسها. فالشركة نشأت في مرحلة بناء البنية الأساسية، ثم رافقت توسع المدن والمطارات والموانئ والقطاع المالي والسياحي والعقاري، قبل أن تصبح البنية الرقمية إحدى ركائز تنافسية الاقتصاد الإماراتي.
وهنا تكمن أهمية التجربة: ففي الاقتصادات الحديثة لم تعد شبكات الاتصالات مجرد قطاع خدمي، وإنما أصبحت أشبه بالجهاز العصبي للاقتصاد. وكلما ارتفعت سرعتها واتسعت تغطيتها وتطورت قدرتها على نقل البيانات، ازدادت قدرة قطاعات أخرى على الابتكار والنمو.
وقد انعكس هذا التحول أيضاً على قيمة العلامة التجارية. ففي 2024 صنفت «براند فاينانس» علامة «اتصالات» باعتبارها أقوى علامة تجارية للاتصالات في العالم آنذاك، بينما واصلت المجموعة بناء هويتها التكنولوجية الجديدة عالمياً.
الخمسون المقبلة
وبعد نصف قرن من تأسيسها، يبدو أن التحدي الأكبر أمام المجموعة لم يعد في توسيع شبكات الهاتف، وإنما في تحديد موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد الذي يعاد تشكيله بواسطة الذكاء الاصطناعي والبيانات والحوسبة والجيل السادس. فالمجموعة التي بدأت عام 1976 كشركة وطنية للاتصالات أصبحت اليوم منصة تكنولوجية عالمية، فيما تتحول المنافسة في قطاع الاتصالات نفسه من سباق على عدد الأبراج والمشتركين إلى سباق على البيانات والخوارزميات والخدمات الرقمية والتكنولوجيا المالية والحوسبة السحابية.
وبين 1976 و2026 تختصر المجموعة قصة خمسين عاماً من التحولات المتلاحقة: من الهاتف الثابت إلى المحمول، ومن الاتصال الصوتي إلى الإنترنت، ومن الجيل الأول إلى 5.5G وأبحاث الجيل السادس، ومن شركة محلية إلى حضور في 38 دولة. ولذلك، فإن اليوبيل الذهبي لا يمثل مجرد احتفال بتاريخ شركة، بقدر ما يشكل محطة في قصة التحول التكنولوجي لدولة الإمارات نفسها؛ قصة بدأت ببناء خطوط الاتصال بين المدن والمنازل، ووصلت بعد خمسة عقود إلى بناء بنية رقمية تتطلع إلى عصر الذكاء الاصطناعي والجيل السادس.


