«دو»: مستقبل إدارة المواهب في قطاع الاتصالات يتجه نحو دورٍ أكثر استراتيجية

فاطمة العفيفي
فاطمة العفيفي

أكدت فاطمة العفيفي، الرئيس التنفيذي للموارد البشرية والتمكين المؤسسي في «دو» أن مستقبل إدارة المواهب والموارد البشرية في قطاع الاتصالات يتجه نحو دورٍ أكثر استراتيجية، حيث لن يقتصر دور إدارة المواهب والموارد البشرية على إدارة القوى العاملة، بل ستصبح ركيزة أساسية في بناء وتطوير القدرات المؤسسية لمواكبة التحولات المستقبلية. فمع التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، لم يعد كافيًا أن نستجيب للتغير بعد حدوثه، بل أصبح من الضروري أن نستبق احتياجات العمل ونحدد المهارات التي ستحتاج إليها المؤسسة قبل أن تتغير طبيعة الوظائف نفسها.

وقالت: من هذا المنطلق، أعتقد أن بناء مؤسسة قائمة على تطوير مهارات موظفيها وتعزيز ثقافة التعلم المستمر والاستثمار في تطوير القيادات والمواهب، سيكون من أهم ركائز مستقبل إدارة المواهب. كما أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دورًا هامًا في هذا التحول، ليس باعتباره بديلاً عن الموظفين، وإنما كأداة لتمكينهم وتطوير قدراتهم ومساعدتهم على أداء أدوارهم بصورة أكثر فاعلية.

وأضافت: هذا هو النهج الذي نعمل على ترسيخه في «دو» من خلال دمج برامج تطوير القدرات في منظومة الشركة، ويأتي على رأسها برنامج المهارات المستقبلية، الذي يمثل إحدى المبادرات الاستراتيجية الرئيسية لدينا لتحويل الشركة إلى مؤسسة قائمة على المهارات خلال السنوات الثلاث المقبلة، ويضطلع البرنامج بتحديد المهارات ومتطلبات العمل المستقبلية خلال الثلاث إلى الخمس سنوات المقبلة، بما يسهم في إعداد الموظفين وتطوير هذه المهارات لديهم بشكل استباقي داخل الشركة، قبل أن تفرضها التغيرات التكنولوجية على طبيعة العمل.

وبالتوازي مع ذلك، نواصل الاستثمار في تطوير المهارات الرقمية والتقنيات الناشئة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي التوليدي وعلوم البيانات، إلى جانب تطوير مهارات التفكير النقدي والتحليل. كما ندعم هذا التوجه من خلال شراكات وبرامج تدريبية متخصصة تساعد موظفينا على مواكبة التطورات في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات والجيل الخامس والحوسبة السحابية. وإجمالًا يمكنني القول إن المستقبل لا يتعلق فقط بالتقنيات الجديدة التي سيتيحها، وإنما بقدرتنا على إعداد الإنسان الذي سيستخدم هذه التكنولوجيا ويقود من خلالها المرحلة المقبلة.

وحول أبرز المبادرات التي تعمل عليها «دو» لاستقطاب المواهب الإماراتية وتطوير الكفاءات الوطنية وتأهيلها للمناصب القيادية، قالت: بالنسبة لنا، لا يقتصر دعم المواهب الإماراتية على استقطاب الكفاءات، وإنما ننظر إليه باعتباره رحلة متكاملة تبدأ في مراحل مبكرة، وتمتد عبر مختلف مراحل المسيرة التعليمية والمهنية، وصولاً إلى إعداد الكفاءات القادرة على تولي أدوار قيادية في المستقبل. ولذلك نعمل على بناء منظومة متكاملة تتيح للمواهب الوطنية التعرف على الفرص المهنية، واكتساب الخبرات العملية، وتطوير المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل. وفي هذا الإطار، أطلقنا مجموعة من البرامج التي تغطي مراحل مختلفة من رحلة المواهب الوطنية، والتي تبدأ من برنامج (Explore X) الذي نتعاون من خلاله مع المدارس الإماراتية لتعريف الطلبة بفرص العمل المستقبلية، ونطلعهم على المسارات المهنية المتاحة في قطاع الاتصالات والخدمات الرقمية، بما يساعدهم على استكشاف اهتماماتهم وتحديد توجهاتهم المهنية في مراحل مبكرة.

كما يأتي برنامج (Experience X) ليوفر لطلاب الجامعات فرصة الانتقال من البيئة الأكاديمية إلى التجربة العملية على أرض الواقع، من خلال التدريب والمشاركة في المشاريع والعمل ضمن فرق «دو». ونحرص من خلال هذا البرنامج على تطوير المهارات التقنية والشخصية معًا، وتعزيز جاهزية الطلبة للانخراط في سوق العمل. أما برنامج (Future X) فيركز على الخريجين الإماراتيين الجدد، ويمتد على مدار 12 شهرًا، ويوفر لهم رحلة تطوير متكاملة تشمل المهارات الرقمية، والابتكار، والقدرة على التكيف والتعاون، إلى جانب التدريب العملي والتوجيه، بما يساعدهم على بناء مسارات مهنية تتوافق مع احتياجات قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية.

وأضافت: لا تتوقف رحلة التطوير عند هذه البرامج، إذ نواصل الاستثمار في التعلم والتطوير المهني وبناء القيادات من خلال برامج تدريبية متخصصة وشراكات مع جهات تقنية، تشمل مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والجيل الخامس والحوسبة السحابية، إلى جانب برامج تستهدف تطوير القدرات القيادية والتفكير الاستراتيجي. ونستهدف من هذه البرامج المختلفة خلق مسار متكامل لإعداد الكفاءات الإماراتية، بحيث لا يقتصر دورنا على توفير فرص العمل، وإنما نساعد المواهب الوطنية على بناء خبراتها وتطوير قدراتها والوصول إلى مواقع يمكنها من خلالها المساهمة في قيادة مستقبل الاتصالات والتكنولوجيا في دولة الإمارات.

وفيما يتعلق بتغير توقعات الموظفين تجاه بيئة العمل خلال السنوات الأخيرة، وما الذي تفعله «دو» لمواكبة هذه التغيرات، قالت: توقعات الموظفين تجاه بيئة العمل تغيرت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، فلم تعد الوظيفة بالنسبة للكثيرين مرتبطة فقط بالمسار المهني أو المقابل المادي، وإنما أصبحت ترتبط أيضًا بقيم إنسانية وعملية مثل الانتماء، وفرص النمو والتعلم، والقدرة على تحقيق أثر حقيقي، إلى جانب جودة الحياة والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية. وإدراكاً منا لهذا التغير، حرصنا في «دو» على بناء تجربة موظف تضع الإنسان في مقدمة الأولويات، وتوفر بيئة يشعر فيها الموظف بالانتماء والتقدير، وتمنحه فرصًا حقيقية للتعلم والتطور وبناء مسار مهني مستدام. وننظر إلى تجربة الموظف باعتبارها رحلة متكاملة تبدأ من شعوره بالانتماء، وتمتد إلى قدرته على النمو وتحقيق أثر من خلال عمله. وتأتي مشاركتنا في معرض «رؤية 2026» تحت شعار «بيئة عمل تضع الإنسان أولًا»، لإبراز هذه الثقافة المؤسسية التي نتبناها في «دو».

وقالت إننا نترجم هذا النهج من خلال توفير فرص التعلم والتطوير المهني، وبرامج تطوير القيادات التي تمنح موظفينا مساحة حقيقية لبناء قدراتهم والتقدم في مساراتهم المهنية داخل الشركة، حيث إن 40% من الوظائف داخل «دو» يتم شغلها عبر الترقيات الداخلية، بما يعكس حرصنا على إتاحة فرص النمو والتطور من داخل الشركة.

وأضافت: بالنسبة إلى كوادرنا الوطنية، نحرص أيضًا على أن تمتد تجربة العمل إلى ما هو أبعد من التطور المهني، حيث توفر «دو» للعاملين بها فرصًا للقيام بأعمال ذات أثر حقيقي وقيمة جوهرية لوطنهم، بدءًا من التوطين والتحول الرقمي، وصولًا إلى الابتكار والمساهمة الفعالة في مسيرة تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يحظى العاملون بفرصة استثنائية للمساهمة في صياغة المستقبل الرقمي ودفع مسيرة الابتكار لدولة الإمارات. وفي الوقت نفسه، نولي جودة الحياة والرفاهية أهمية كبيرة، وذلك عبر بيئة عمل توفر ساعات عمل مرنة وخيارات العمل عن بعد، إلى جانب خدمات الرعاية الصحية والوقائية داخل مقر الشركة، ومبادرات تدعم مختلف جوانب رفاهية الموظفين. كما نحرص على توفير مساحات للتواصل والمشاركة من خلال مبادرات مثل شبكة تمكين المرأة ومجلس «دو» للشباب، بما يعزز ثقافة الانتماء والمشاركة. ونوفر كذلك فرصًا للمشاركة في الأعمال التطوعية على مدار العام، من خلال شراكاتنا مع المؤسسات المجتمعية المختلفة، بما يربط موظفينا بالمجتمع ويعكس التزام الشركة بإحداث أثر مجتمعي إيجابي ودعم المجتمعات التي تخدمها.

ويمثل فوز «دو» بجائزة الشرق الأوسط للموارد البشرية (CIPD) لأفضل برنامج صحة الموظفين عام 2025 تتويجًا لجهودنا المتواصلة في هذا الصدد، ودافعًا لمواصلة هذا النهج. وبالنسبة لي، فإن مواكبة توقعات الموظفين لا تعني إضافة مزايا جديدة فحسب، وإنما تعني الاستماع إلى احتياجاتهم وفهم ما يجعلهم قادرين على النمو والشعور بالانتماء وتحقيق أثر حقيقي. وهذا ما نعمل على ترسيخه في «دو» من خلال تجربة موظف متكاملة تضع الإنسان أولًا.

وحول دخول الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد إلى بيئة العمل، قالت: أعتقد أن التوازن يبدأ من فهمنا للدور الذي نريد أن يؤديه الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل. فنحن لا ننظر إلى هذه التقنيات باعتبارها بديلاً عن العنصر البشري، وإنما كأدوات يمكن أن تساعده على تطوير قدراته، وأداء مهامه بصورة أكثر فاعلية، وإتاحة مساحة أكبر له للتركيز على الجوانب التي تتطلب التفكير والإبداع والتعاون واتخاذ القرار. ومن هذا المنطلق، فإن مسؤوليتنا لا تتمثل فقط في تبني التقنيات الجديدة، وإنما في إعداد موظفينا لاستخدامها والاستفادة منها. ولذلك نركز في «دو» على تطوير المهارات المستقبلية، وإتاحة فرص التعلم في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي وعلوم البيانات، إلى جانب التفكير النقدي والتحليل، بما يساعد الموظفين على مواكبة طبيعة العمل المتغيرة. ومن ناحية أخرى، نؤمن بأن التحول التكنولوجي لا يلغي أهمية الجوانب الإنسانية في بيئة العمل، بل يجعلها أكثر أهمية. فمهارات مثل التفكير النقدي، والقدرة على التعاون، والتكيف، والتعلم المستمر، والقدرة على فهم احتياجات الآخرين، ستظل عناصر أساسية في نجاح الموظف، مهما تطورت الأدوات التي يستخدمها.

وفي النهاية، أرى أن نجاحنا في توظيف الذكاء الاصطناعي لا يقاس فقط بعدد الأدوات أو التقنيات التي نستخدمها، وإنما بمدى قدرتنا على تمكين موظفينا من استخدامها بطريقة تضيف قيمة إلى عملهم وتوسع قدراتهم، مع الحفاظ على الإنسان في قلب تجربة العمل.

وأكدت أن الجيل القادم من الموظفين والقيادات سيحتاج إلى مزيج متوازن من المهارات التقنية والإنسانية، لأن طبيعة العمل نفسها تتغير، ولم يعد كافيًا امتلاك المعرفة التقنية وحدها، وإنما أصبحت القدرة على التعلم والتكيف وتوظيف هذه المعرفة في مواجهة التحديات الجديدة أكثر أهمية. ومن أبرز المهارات التي أرى أنها ستكتسب أهمية متزايدة، القدرة على التعامل مع التقنيات الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية، إلى جانب التفكير النقدي والقدرة على تحليل المعلومات واتخاذ القرارات في بيئة تتسم بسرعة التغير. وفي الوقت نفسه، ستظل المهارات الإنسانية عنصرًا أساسيًا في نجاح الموظفين والقيادات، ومنها القدرة على التعاون والعمل ضمن فرق متنوعة، والتواصل، والابتكار، والمرونة والقدرة على التكيف، إلى جانب التعلم المستمر. فكلما تطورت التكنولوجيا، زادت أهمية قدرة الإنسان على فهمها وتوظيفها بصورة مسؤولة وهادفة.

وبالنسبة للقيادات المستقبلية، أعتقد أن التحدي الأكبر لن يكون فقط في استخدام التكنولوجيا، وإنما في القدرة على قيادة الآخرين في ظل هذه التطورات المتسارعة، وخلق بيئة تشجع على التعلم والابتكار، وتحويل هذه التغيرات إلى فرص للنمو والتطور. وفي النهاية، أرى أن أهم مهارة للمستقبل هي القدرة على التعلم المستمر؛ لأن المهارات التي نحتاج إليها اليوم قد تتغير غدًا، والقدرة على التعلم والتكيف ستمنح الموظفين والقيادات الأساس الذي يمكنهم من مواصلة النمو والنجاح في بيئة عمل تتغير باستمرار.