عندما تُعطل الحروب العقود.. كيف تعمل «القوة القاهرة» في تجارة الطاقة؟

تتفاقم تداعيات حرب إيران سريعاً في أسواق الطاقة، فقد لجأت عدة دول وشركات نفطية في المنطقة وخارجها إلى تفعيل بند «القوة القاهرة» في بعض عقود الطاقة بشكل خاص، في ظل تعطل الإنتاج واضطراب حركة الشحن وارتفاع المخاطر الأمنية في الخليج.

والسؤال الآن هو: ما القوة القاهرة؟ ومتى يحق للدول أو الشركات إعلانها؟

القوة القاهرة في العقود التجارية

تشير القوة القاهرة (Force Majeure) إلى بند قانوني في العقود التجارية يسمح بتعليق أو إعفاء أحد أطراف العقد من تنفيذ التزاماته عندما يقع حدث استثنائي خارج عن إرادته يجعل تنفيذ العقد مستحيلاً أو شديد الصعوبة. وتشمل هذه الأحداث عادة الحروب، والكوارث الطبيعية، والأزمات الكبرى التي لا يمكن توقعها أو السيطرة عليها، بحسب مواقع قانونية متخصصة في شرح المفاهيم التعاقدية.

يُستخدم هذا البند عندما يكون الحدث غير متوقع ولا يمكن دفعه أو تجنبه، وهي ظروف تجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية غير ممكن عملياً، ما يسمح بتعليق العقد أو تأجيل تنفيذه دون تحميل الطرف المتضرر مسؤولية قانونية.

كما يُعد هذا المبدأ استثناءً من القاعدة الأساسية في القانون التجاري التي تنص على ضرورة الالتزام بتنفيذ العقود، إذ يهدف بند «القوة القاهرة» إلى توزيع المخاطر بين الأطراف في حال وقوع أحداث استثنائية تعطل تنفيذ الاتفاقات التجارية.

لماذا لجأت إليها الدول النفطية؟

في الأزمة الحالية، أدى التصعيد العسكري في الخليج إلى تهديد المنشآت النفطية وتعطيل الملاحة في ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، ما جعل نقل النفط والغاز أكثر خطورة وصعوبة، كما أدى نقص السفن القادرة على نقل الشحنات وارتفاع مخاطر التأمين البحري إلى تعطيل سلاسل الإمداد.

كما أن الهجمات على منشآت الطاقة أجبرت بعض الدول على إيقاف الإنتاج مؤقتاً لحماية العاملين والبنية التحتية، وهو ما حدث في منشآت الغاز القطرية بعد تعرضها لضربة بطائرة مسيّرة.

في مثل هذه الحالات، يصبح إعلان القوة القاهرة أداة قانونية ضرورية تسمح للدول والشركات بتجميد التزاماتها مؤقتاً إلى حين استقرار الأوضاع، لكنه في الوقت نفسه يرسل إشارة قوية للأسواق العالمية بأن الأزمة لم تعد سياسية أو عسكرية فقط، بل تحولت إلى أزمة طاقة قد تعيد تشكيل التجارة العالمية وأسعار النفط والغاز.

المسؤولية القانونية

وعند إعلان القوة القاهرة، يتم تعليق تنفيذ العقد مؤقتاً دون تحميل الطرف المتضرر مسؤولية قانونية، ولا يُعد ذلك إخلالاً بالعقد خلال فترة استمرار الظروف الاستثنائية، وقد يتم تأجيل التسليم أو تقليل الكميات في بعض العقود، وإذا استمرت الظروف لفترة طويلة، قد يلجأ الطرفان إلى إعادة التفاوض أو إنهاء العقد.

ما أهمية هذا البند في أسواق الطاقة؟

في قطاعات مثل النفط والغاز والشحن البحري، قد تؤدي الحروب أو الهجمات على المنشآت أو تعطّل الممرات البحرية إلى توقف الإنتاج أو النقل. لذلك تلجأ الدول والشركات إلى إعلان القوة القاهرة كآلية قانونية لحماية نفسها من المسؤولية عند تعذر الوفاء بالعقود.

تقييم عمليات الشحن

وامتد تأثير الحرب في الشرق الأوسط إلى شركات الطاقة العالمية، إذ بدأت شركات تجارة النفط والغاز في إعادة تقييم عمليات الشحن المرتبطة بالخليج مع تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة.

وذكرت تقارير في أسواق الطاقة أن شركات تجارة السلع الكبرى مثل «تريفغوا» و«فيتول» تراقب الوضع الأمني في مضيق هرمز عن كثب، في وقت ارتفعت فيه تكاليف التأمين البحري وتزايدت المخاطر على السفن العابرة للممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وفق «رويترز».

وفي سوق الغاز الطبيعي المسال، حذّر متعاملون من أن أي تعطّل طويل لإمدادات الخليج قد يفرض ضغوطاً إضافية على شركات الطاقة العالمية التي تعتمد على شحنات المنطقة، وقد يدفعها إلى إعلان حالة «القوة القاهرة» خاصة مع ارتفاع الطلب في آسيا وأوروبا على الغاز الطبيعي المسال، بحسب «بلومبرغ».

التأثير في العملاء والمشترين

قد يواجه المشترون الرئيسون للسلع، ولا سيما في آسيا وأوروبا، تأخيرات في تسليم الشحنات أو انخفاضاً في الكميات المتفق عليها خلال فترة تطبيق بند القوة القاهرة.

مع ذلك، فإن العقود طويلة الأجل غالباً ما تتضمن هذا الاحتمال، ويكون المشترون على دراية مسبقة بإمكانية تفعيل هذا البند في حالات استثنائية؛ لذلك يبقى الأثر القانوني المباشر محدوداً عادة من حيث المطالبات بالتعويض.

وفي أغلب الحالات، لا يعني إعلان القوة القاهرة إنهاء العقد، بل تعليق تنفيذه مؤقتاً. أي أن الالتزامات التعاقدية تتوقف خلال الفترة التي تستمر فيها الظروف الاستثنائية التي حالت دون تنفيذ الاتفاق.

كما تنص بعض العقود على مدة محددة لاستمرار حالة القوة القاهرة. وإذا طال أمدها، قد يفتح ذلك الباب أمام إعادة التفاوض على شروط العقد أو حتى إنهائه باتفاق الطرفين إذا تعذر استئناف التنفيذ. وبذلك يهدف هذا الإجراء أساساً إلى إدارة الأزمة من الناحية القانونية، وليس قطع العلاقة التجارية بين المورد والمشتري.

أما من الناحية التأمينية، فقد تغطي بعض وثائق التأمين خسائر التشغيل أو الأضرار التي تلحق بالمنشآت، لكنها لا تعوّض - عادةً - كامل خسائر الإيرادات الناتجة عن توقف الإنتاج. ولهذا تعتمد شركات الطاقة الكبرى - غالباً - على مزيج من التأمين التجاري وبنود القوة القاهرة كونها وسيلة لإدارة المخاطر المرتبطة بالأزمات الجيوسياسية.