استحوذت مجموعة الاتصالات البريطانية «بي تي جروب» (BT Group) على أعمال المستهلكين والبيع بالجملة التابعة لشركة «توك توك» (TalkTalk)، إلى جانب شركة «بلاتفورم إكس كوميونيكيشنز» (PlatformX Communications)، في صفقة إنقاذ تهدف إلى منع انهيار خدمات الاتصالات، التي يعتمد عليها نحو 2.5 مليون عميل في المملكة المتحدة، وسط تحذيرات رسمية من مخاطر كان يمكن أن تطال خدمات الطوارئ والبنية التحتية الحيوية.
وأعلنت «بي تي» إتمام الاستحواذ من إدارة الإعسار على أساس خلو الأعمال المستحوذ عليها من الديون، موضحة أن إجمالي التأثير النقدي المتوقع للصفقة خلال السنة المالية 2027 سيبلغ نحو 400 مليون جنيه استرليني نحو 528.4 مليون دولار، تشمل قيمة المقابل وتكاليف المعاملة والإدارة وتأثيرات رأس المال العامل، إضافة إلى خسائر تشغيلية متوقعة لنحو 60 مليون جنيه، خلال ما تبقى من السنة المالية.
وتأتي الصفقة بعد فترة طويلة من المحاولات الفاشلة للعثور على مشترٍ لأعمال «توك توك» الاستهلاكية والجملة، في ظل معاناة الشركة من ديون كبيرة، ومنافسة شديدة في سوق النطاق العريض والاتصالات البريطانية. وكانت «توك توك» قد راكمت ديوناً تقدر بنحو 1.5 مليار جنيه استرليني، فيما تراجعت قاعدة عملائها خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي زاد الضغوط على الشركة، ودفع مساهميها إلى ضخ تمويلات إضافية.
وبحسب «بي تي» تضم الأعمال التي جرى الاستحواذ عليها نحو 1.5 مليون عميل تجزئة، إضافة إلى نحو مليون اتصال بالجملة، بما يجعل إجمالي المستفيدين من الخدمات التي ستواصل «بي تي» تشغيلها نحو 2.5 مليون عميل. وتشمل هذه الخدمات أسراً ومنازل في مختلف أنحاء المملكة المتحدة، إلى جانب اتصالات تعتمد عليها جهات ومؤسسات تقدم خدمات حيوية.
وتكتسب الصفقة أهمية تتجاوز إنقاذ شركة تجارية متعثرة، إذ ترتبط شبكة «توك توك» بخدمات في قطاعات الصحة والطوارئ والدفاع والتعليم والنقل والمصارف والحكومة، كما تشمل أنظمة اتصال تستخدمها خدمات الإسعاف والمستشفيات وأجهزة الإنذار الطبي، ولذلك اعتبرت الحكومة البريطانية أن انهيار الشركة بصورة مفاجئة قد يؤدي إلى اضطراب في الاتصالات الحيوية، مع مخاطر محتملة على الفئات الأكثر ضعفاً والخدمات العامة.
ودفع هذا الوضع الحكومة البريطانية إلى التدخل بصورة عاجلة في الصفقة، وأصدرت وزيرة الثقافة، ليزا ناندي، «إشعار تدخل للمصلحة العامة» بموجب قانون المؤسسات، بما يسمح للحكومة بالنظر في تداعيات الصفقة على المصلحة العامة، إلى جانب تقييم مخاوف المنافسة، ومن المقرر أن ترفع هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA) تقريرها بشأن الصفقة بحلول 19 أكتوبر الجاري.
ورغم إتمام الاستحواذ ستواصل «بي تي» و«توك توك» العمل بشكل منفصل والتنافس في السوق خلال فترة المراجعة التنظيمية، كما أكدت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية «أوفكوم» أن العملاء يستطيعون مواصلة استخدام خدمات الهاتف والإنترنت والتلفزيون المدفوع بصورة طبيعية، خلال المرحلة الانتقالية، مع استمرارها في مراقبة العملية لحماية مصالح المستهلكين.
وتشير «بي تي» إلى أن «توك توك» حققت إيرادات بلغت نحو 1.2 مليار جنيه استرليني خلال الأشهر الـ12 الأخيرة، لكنها كانت تسجل خسائر، وترى المجموعة أن عملية الاستحواذ ستتحول بمرور الوقت إلى صفقة مولدة للقيمة، مع استقرار الأعمال وتحقيق وفورات وتكامل تشغيلي بين الأنشطة المستحوذ عليها ومجموعة «بي تي»، كما تحمي الصفقة نحو 900 وظيفة في «توك توك»، وفق تقارير بريطانية، فيما سيتولى كلايف سيلي، الرئيس التنفيذي السابق لـ«بي تي إنترناشيونال»، قيادة جهود تثبيت الأعمال والتخطيط لعملية الدمج. وفي المقابل سيتولى مارتين بلانكن مهام الرئيس التنفيذي لـ«بي تي إنترناشيونال»، إلى جانب منصبه المرتقب رئيساً تنفيذياً للمشروع المشترك الدولي المقترح بين «بي تي» و«فيرايزون».
وتكشف الصفقة عن تحول الاتصالات عموماً من قطاع تجاري إلى عنصر من عناصر الأمن الاقتصادي والبنية التحتية الوطنية؛ فتعثر شركة تمتلك ملايين الاتصالات لا يعني فقط خسارة مزود خدمة، وإنما يمكن أن يمتد تأثيره إلى المستشفيات والمدارس وخدمات الطوارئ والشركات والجهات الحكومية.
وفي هذا السياق وصفت «بي تي» الوضع بأنه «غير مسبوق حقاً»، معتبرة أن انهيار «توك توك» كان يمكن أن يضع ملايين المواطنين والشركات أمام مخاطر انقطاع الخدمات. وقالت الرئيسة التنفيذية للمجموعة أليسون كيركبي إن الأولوية الفورية تتمثل في تثبيت الأعمال، وتوفير شبكة أمان للأسر والشركات التي تعتمد على «توك توك»، قبل الانتقال إلى مرحلة الدمج وتحقيق المنافع التجارية للصفقة.
وبذلك، تتحول الصفقة إلى واحدة من أبرز عمليات إنقاذ قطاع الاتصالات البريطاني في السنوات الأخيرة، إذ تجمع بين اعتبارات تجارية تتمثل في الاستفادة من قاعدة العملاء والبنية التشغيلية لـ«توك توك»، واعتبارات تتعلق باستمرارية الخدمات وحماية البنية التحتية الرقمية الحيوية، في وقت تخضع فيه الصفقة لتدقيق تنظيمي، بسبب تأثيرها المحتمل في المنافسة داخل سوق الاتصالات البريطانية.
«بي تي» البريطانية توافق على صفقة لإنقاذ «توك توك» من الإفلاس

