«الباركود» اختراع غيّر التجارة العالمية

نورمان جوزيف وودلاند
نورمان جوزيف وودلاند

في كل مرة يمرر فيها موظف متجر سلعة أمام جهاز المسح الضوئي، تظهر بياناتها وسعرها خلال لحظات، وتُسجل عملية البيع تلقائياً.

مشهد يومي يخفي وراءه اختراعاً غيّر التجارة العالمية، وامتد أثره إلى قطاعات عديدة. إنها قصة «الباركود»، الذي بدأت فكرته بخطوط رسمها مهندس أمريكي على رمال الشاطئ، قبل أن يصبح أداة أساسية للتعريف بالمنتجات وتتبع حركتها.

وتعود أول عملية مسح تجاري لرمز المنتج العالمي (UPC) إلى 26 يونيو 1974، في متجر تابع لسلسلة «مارش» بمدينة تروي في ولاية أوهايو الأمريكية.

يومها مررت موظفة عبوة علكة من نوع «ويغليز جوسي فروت» أمام الماسح، فظهر سعرها: 67 سنتاً. وكانت تلك أول سلعة يُسجل بيعها باستخدام الباركود، في تجربة حضرها كلايد داوسون، مدير البحث والتطوير لدى متاجر «مارش»، لتدشّن مرحلة جديدة.

أتاح النظام استدعاء سعر المنتج وبياناته إلكترونياً بمجرد قراءة الرمز، بدلاً من إدخال المعلومات يدوياً. وبذلك قلّص الوقت والأخطاء، ومهّد لمتابعة المخزون وإدارة الإمدادات. لكن الوصول إلى تلك اللحظة استغرق عقوداً.

طلب مرفوض أشعل الفكرة

بطل القصة نورمان جوزيف وودلاند، المولود عام 1921 في أتلانتيك سيتي بولاية نيوجيرسي. عمل خلال الحرب العالمية الثانية مساعداً تقنياً في مشروع مانهاتن. وبعد الحرب، حصل عام 1947 على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية من معهد دريكسل للتكنولوجيا، ثم عمل محاضراً فيه.

وفي عام 1948، نقل إليه زميله برنارد سيلفر ما سمعه من مسؤول تنفيذي في سلسلة متاجر كبرى، طلب من عميد كلية الهندسة ابتكار وسيلة لالتقاط بيانات المنتجات تلقائياً عند الدفع، لتسريع البيع وتقليل العمل اليدوي.

لم يلقَ الطلب قبولاً، لكن وودلاند رأى فيه مشكلة تستحق الحل، فترك التدريس وانتقل إلى منزل جده في فلوريدا ليتفرغ للبحث، وباع أسهماً لتغطية نفقاته.

شفرة مورس على الرمال

استعاد وودلاند تدريبات الكشافة في طفولته، حين تعلم شفرة مورس القائمة على النقاط والشرطات.

وبينما كان جالساً على الشاطئ، رسم العلامات على الرمال، ثم مرر أصابعه إلى أسفل، فلاحظ أن النقاط تتحول إلى خطوط رفيعة والشرطات إلى خطوط سميكة. من هنا تشكلت الفكرة: تمثيل المعلومات بخطوط متفاوتة السماكة يستطيع جهاز قراءتها وتحويلها إلى بيانات.

طور وودلاند وسيلفر الفكرة، ودرسا تصميماً يعتمد على دوائر متحدة المركز يسمح بقراءة الرمز من اتجاهات عدة.

وتقدما بطلب براءة اختراع في 20 أكتوبر 1949، وحصلا عليها عام 1952. غير أن التكنولوجيا لم تكن جاهزة؛ فأجهزة القراءة كانت مكلفة، ولم تكن مكوناتها جاهزة للاستخدام الواسع.

من تعثر تجاري إلى معيار عالمي

حاول وودلاند عرض الاختراع على «آي بي إم»، لكنها لم تتحمس لتطبيقه آنذاك. فباع المخترعان براءة الاختراع إلى «فيلكو» مقابل 15 ألف دولار، ثم انتقلت الحقوق إلى «آر سي إيه»، التي أجرت تجارب لاستخدام التقنية في المتاجر دون نجاح في تعميمها. وانتهت مدة البراءة عام 1969، قبل نضوج السوق.

ومع حاجة قطاع البقالة إلى وسيلة موحدة للتعرف إلى السلع، تشكلت عام 1970 لجنة أمريكية لوضع معيار موحد للمنتجات.

وتنافست شركات التكنولوجيا على تطوير نظام عملي، من بينها «آي بي إم»، التي استعانت بوودلاند ضمن فريقها. وأسهم المهندس جورج لورير في تطوير التصميم المستطيل المعروف، المؤلف من خطوط سوداء وبيضاء متوازية.

وفي عام 1973، اختير تصميم «آي بي إم» معياراً للرمز العالمي للمنتجات (UPC)، ومنحت الشركة وودلاند جائزة الإنجاز المتميز.

وبعد عام، أثبتت تجربة عبوة العلكة قابلية الرمز للاستخدام التجاري. ولم يقتصر أثره على تسريع المحاسبة؛ إذ أصبح أساساً لأنظمة إدارة المخزون وتتبع الشحنات، وساعد الشركات على تتبع المنتجات ورفع كفاءة سلاسل التوريد.

كما وحّد تعريف السلع بين المنتجين والموزعين وتجار التجزئة عالمياً. وامتدت تطبيقاته إلى الصناعة واللوجستيات والصحة والمكتبات.

وفي عام 1992، نال وودلاند وسام التكنولوجيا الوطني الأمريكي، الذي منحه إياه الرئيس جورج بوش الأب، تقديراً لاختراعه. وتوفي في 9 ديسمبر 2012 بمدينة إدج ووتر في نيوجيرسي، عن 91 عاماً، متأثراً بمضاعفات مرض الزهايمر.

وهكذا، تحولت خطوط رسمها مهندس على رمال الشاطئ إلى لغة عالمية تتواصل بها المنتجات والأنظمة التجارية، وأصبح اختراع بدأ بمحاولة لتسهيل عمل المحاسبين أحد الأعمدة غير المرئية للاقتصاد الحديث، يستخدمه مليارات الأشخاص يومياً دون أن يعرف كثيرون اسم صاحبه أو قصة الفكرة التي غيرت طريقة تعامل العالم مع السلع.