روتشير شارما
عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، أصبح المستثمرون في جميع أنحاء العالم لا يتوقفون عن توجيه الانتقادات الشديدة إليها، لكنهم يواصلون في الوقت نفسه ضخ الأموال الضخمة والاستثمار فيها بكثافة.
وخلال رحلتي الأخيرة عبر آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، لفت انتباهي تصاعد حدة الشكاوى من أمريكا في عهد دونالد ترامب، بدءاً من تعريفاتها الجمركية وصولاً إلى مطامعها في غرينلاند وتجاهلها الواضح للنظام العالمي القديم.
وتُظهر استطلاعات الرأي تراجعاً مماثلاً، حيث انخفضت الآراء الإيجابية تجاه الولايات المتحدة عالمياً، لكن عندما عدت إلى نيويورك، واطلعت على الأرقام، رأيت أنه حتى مع تراجع الآراء الإيجابية تجاه الولايات المتحدة، تواصل الأموال التدفق إليها بشكل غير مسبوق.
ففي العام الماضي، ضخ الأجانب حوالي 1.6 تريليون دولار في الأصول المالية الأمريكية، بما في ذلك ما يقرب من 700 مليار دولار في الأسهم، وهو رقم قياسي جديد وأعلى بكثير من مستويات السنوات الأخيرة.
وينطبق الأمر نفسه على سندات الشركات الأمريكية، حيث ارتفعت مشتريات الأجانب بشكل حاد. وباستثناء موجة البيع القصيرة في أبريل الماضي، كان المستثمرون الأجانب من كبار المشترين في كل شهر خلال عام 2025. فقد كانوا يشترون بقوة عند انخفاض الأسعار، تماماً كما يفعل المتداولون الأفراد في الولايات المتحدة. ومن سنغافورة إلى سيئول، يسهر المستثمرون طوال الليل للتداول على المنصات الأمريكية التي تزداد شعبيتها بعد ساعات العمل الرسمية.
لكن كان هناك مستثمرون قلائل لم يشاركوا في موجة الشراء هذه، وهي البنوك المركزية، التي كانت تحوّل الأموال من الدولار إلى الذهب. وكان المؤشر الوحيد للحذر في عام 2025 هو أن المستثمرين العالميين كانوا يتحوطون من انكشافهم الكبير وغير المسبوق على الدولار أكثر من العام السابق.
عموماً، باتت المؤسسات الأجنبية وحدها تمتلك الآن ما يقرب من 15 % من الأسهم الأمريكية، وهي نسبة قياسية، بزيادة قدرها النصف عن مستواها قبل عقد من الزمن. فلماذا يُقبل الناس على الشراء بكثافة في بلد يدّعون الازدراء المتزايد له؟
أحد الأسباب هو غياب البديل. فحتى وقت قريب، كانت الولايات المتحدة تتفوق باستمرار على بقية دول العالم منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
ولذلك لا يزال العديد من المستثمرين يسعون وراء الأداء السابق. لقد باتوا يعتقدون أنه «لا بديل» عن الاستثمار في الأسواق الأمريكية، نظراً لحجمها الهائل وسيولتها الكبيرة.
كما لا يزال العالم بأسره منبهراً بريادة الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا. وبينما كان الأوروبيون لفترة طويلة من أكثر المشترين حماساً لأسهم التكنولوجيا الأمريكية، إلا أن كوريا الجنوبية برزت، بشكل لافت، لتكون المصدر الأكبر لتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى سوق الأسهم الأمريكية خلال العام الماضي، حيث بلغ الشغف بالأصول المرتبطة بأمريكا أو الذكاء الاصطناعي ذروته.
ولأن اتجاهات السوق لا تستمر إلى الأبد، يثير الهوس بأسهم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تساؤلات وجودية، إذ ليس من الواضح أي الشركات ستفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، أو ما إذا كانت أمريكية فقط. فقد أظهرت الصين قدرتها على المنافسة، حيث تقدم بعض نماذج الذكاء الاصطناعي لديها أداءً مماثلاً، بتكاليف تدريب أقل.
وإذا ما انحسرت موجة الهوس بالذكاء الاصطناعي، فقد تتأثر الأصول الأمريكية بشدة. ويمكن تفسير أكثر من نصف النمو الاقتصادي الأمريكي العام الماضي باستثمارات الشركات الأمريكية الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتدفقات رؤوس الأموال الهائلة إلى الأصول المالية الأمريكية. لكن كرد فعل تجاه هيمنة السوق الأمريكية وعدم استقرارها، شرعت حكومات عديدة إلى تكثيف الجهود لتنويع مخاطرها عبر تقليص اتفاقيات التجارة الثنائية، وتخفيف القيود التنظيمية.
والاستثمار بشكل أكبر في الدفاع والتكنولوجيا المحلية. ورغم التدفقات الرأسمالية الضخمة إلى الولايات المتحدة العام الماضي، فقد تفوقت أسواق بقية العالم على السوق الأمريكية بفارق كبير.
ويتزايد هذا الزخم مع تسارع النمو خارج الولايات المتحدة، حيث من المتوقع أن تنمو اقتصادات بقية العالم هذا العام والعام المقبل بمعدل يزيد مرة ونصف عن معدل نمو الولايات المتحدة، مما يُوسّع هذه الفجوة مقارنة بالسنوات الأخيرة.
وحتى عام 2027، من المتوقع أن ينمو متوسط أرباح الشركات، أو ما يُعرف بـ«الأرباح المرجحة بالتساوي»، بمعدل ضعف معدل نمو الأسواق الناشئة، وبمعدل 50 % أسرع في الأسواق المتقدمة الأخرى.
ومن الملاحظ أن عادات الإنفاق الأمريكية باتت تتأثر أكثر من أي وقت مضى بتوجهات الأسواق الخارجية. ففي العام الماضي، كانت تدفقات الاستثمارات الأجنبية في المحافظ الاستثمارية كبيرة بما يكفي لتمويل عجز الحساب الجاري الأمريكي بالكامل، بل وأكثر.
وآخر مرة حدث فيها هذا كانت في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، عندما لم تكن الأسواق الأمريكية بهذا الحجم، ولم يكن العجز بهذا الحجم أيضاً. ولم يسبق أن بلغ حجم اعتماد الولايات المتحدة على رؤوس الأموال الأجنبية المضاربة هذا المستوى.
وبغض النظر عن الانتقادات الحادة الموجهة لأمريكا، يمتلك الأجانب الآن أصولاً أمريكية بقيمة تقارب 70 تريليون دولار، أي ضعف ما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن. وفي العام الماضي، كانت معظم هذه التدفقات على شكل «أموال ساخنة».
وكان الاستثمار الأجنبي المباشر في المصانع والشركات، الذي يصعب سحبه بسرعة، أضعف بكثير من تدفقات المحافظ الاستثمارية إلى أصول مثل الأسهم والسندات، التي يمكن أن تنعكس فجأة. لذلك، ينبغي الحذر لأنه إذا ما قلّص العالم استثماراته في الولايات المتحدة بشكل مفاجئ، فقد يؤدي ذلك إلى صدمة كبيرة في الأسواق الأمريكية.