كريستينا كريدل - دانيال توماس
في مايو 2024، كان السؤال الأهم بالنسبة لشركة «أوبن ايه آي» هو كيفية تحقيق الربح من أداة «شات جي بي تي» الثورية. وخلال محاضرة في جامعة هارفارد، سُئل الرئيس التنفيذي سام ألتمان عما إذا كان سيفكر في إضافة الإعلانات مستقبلاً، فكان جوابه قاطعاً: «أود أن أُصرّح، من منطلق شخصي، أنني أكره الإعلانات». لكنه أضاف إنها ستكون «الملاذ الأخير لنا كنموذج عمل».
وأوضح أن للإعلانات دورها كوسيلة لتحقيق الربح في بدايات الإنترنت، «لكنني أعتقد أنها تُخلّ نوعاً ما بتوافق حوافز المستخدم مع الشركة المُقدّمة للخدمة» مشيراً إلى أن دمج الإعلانات في الذكاء الاصطناعي «أمرٌ مُقلق للغاية» بالنسبة له.
لكن بعد مرور ثمانية عشر شهراً، يبدو أن ألتمان اضطر إلى تغيير رأيه. ففي مواجهة الضرورة التجارية لتحقيق الربح لتبرير التقييمات المرتفعة التي تُمنح حالياً لمنصات الذكاء الاصطناعي، بدأت «أوبن ايه آي» منذ أيام باختبار الإعلانات على «شات جي بي تي».
ومع مطالبة المعلنين بإنفاق ما لا يقل عن 200 ألف دولار للظهور في نتائج البحث، تستهدف «أوبن ايه آي» هدفاً طموحاً يتمثل في تحقيق مليارات الدولارات من الإيرادات هذا العام، وفقاً لمصادر مطلعة على الشركة. وسيجعلها ذلك واحدة من أبرز منصات الإعلان في العالم؛ إذ حققت «نتفليكس»، التي أطلقت الإعلانات في نهاية 2022، إيرادات إعلانية بلغت 1.5 مليار دولار العام الماضي.
وسيُمثل إطلاق الإعلانات على شات جي بي تي بداية قطاع جديد للمسوقين الراغبين في أن يكونوا من أوائل الخيارات المتاحة عندما يطرح المستهلكون أسئلة. وتُقدّر «دنتسو»، الوكالة اليابانية التي تُعدّ واحدة من بين العديد من الوكالات التي تعاونت مع «أوبن أيه أي» لإطلاق هذه الخدمة، أن أكثر من نصف العملاء سيجدون العلامات التجارية من خلال ملخصات مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بنهاية 2027.
ويأتي إطلاق «أوبن ايه آي» للإعلانات في وقتٍ تتعرض فيه الشركة الناشئة لضغوط متزايدة لإثبات أن منتجها الاستهلاكي القوي، الذي أشعل ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي، يمكن أن يصبح مصدراً مهماً للإيرادات. وبدأت «أوبن ايه آي» أسعارها بـ60 دولاراً لكل 1000 ظهور إعلاني، وفقاً لمصادر مطلعة، وهو سعر مرتفع مماثل لما حددته نتفليكس عند إطلاقها للإعلانات.
وبالإضافة إلى «دنتسو»، عقدت شراكات مع وكالات إعلانية رائدة مثل «دبليو بي بي» و«امنيكوم» و«ستاغويل» لإطلاقها الأولي، وضمت شركات من مختلف القطاعات مثل المستهلكين، والضيافة، والتجزئة، والبرمجيات، والسفر. ويقول جيمس دينتون-كلارك، كبير مسؤولي النمو في شركة ستاغويل أوروبا، إن «الطلب الأولي يأتي في الغالب من كبار المعلنين ذوي الخبرة، نظراً لانخفاض الحد الأدنى للاستثمار المطلوب في المرحلة التجريبية إلى ما يقارب مئة ألف دولار».
وتصف جيسيكا تامسيدج، الرئيسة التنفيذية لشركة «دنتسو كرييتيف» في المملكة المتحدة وأيرلندا، هذه الفرصة بأنها «خيار بديهي للمعلنين»، مشيرةً إلى الارتفاع الكبير في سعر سهم وول مارت بعد إعلانها عن شراكة مع أوبن إيه آي.
ويقول نيخيل لاي، كبير المحللين في شركة فورستر، إن العملاء يشهدون بالفعل «حركة مرور ذات جودة أعلى بكثير» على «شات جي بي تي» مقارنةً بمحركات البحث التقليدية. ويضيف: «تراهن أوبن إيه آي على أن معدلات استجابة المستهلكين في شات جي بي تي ستكون عالية بما يكفي لتبرير التكلفة الأولية للإعلان».
والسؤال المطروح هو: هل ستكون الإعلانات مفيدة بالفعل للشركة، في ظل سعيها لتعزيز إيراداتها قبل طرحها المحتمل للاكتتاب العام، وفي خضم منافسة شرسة من شركات منافسة مثل جوجل وأنثروبيك، اللتين امتنعتا حتى الآن عن دمج الإعلانات في منتجاتهما الأساسية لروبوتات الدردشة، جيميني وكلود؟
ويرى البعض أن الميزة الأساسية لروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتضرر إذا بدأ المستخدمون بالاعتقاد بأنها مجرد أداة تسويقية. ويقول ديفيد راند، الأستاذ بجامعة كورنيل: «أراهن أن العديد من المستخدمين سيصبحون أكثر حذراً في ما يقولونه لشات جي بي تي لأنهم لا يرغبون في استخدام معلوماتهم لاستهداف الإعلانات». ورغم أن «أوبن ايه آي» تؤكد أن المحادثات الخاصة لن تُستخدم لعرض الإعلانات، إلا أنها ستعرض إعلانات بناءً على ما يتعلق بسؤال المستخدم. ويضيف راند: «هذا يُخلّ بالقيمة الأساسية للمنتج. وإذا خاف المستخدمون من مشاركة معلوماتهم الشخصية، سيصبح الذكاء الاصطناعي أقل فائدة، ما يُضعف المنتج».
وفي ظل ذلك، تتبنى «أوبن أيه آي» نهجاً حذراً في دخولها عالم الإعلانات، فهي تختبر حالياً الإعلانات للمستخدمين البالغين المجانيين في الولايات المتحدة فقط، وقد اختارت عرض الإعلانات بشكل منفصل عن إجابات «شات جي بي تي»، أسفل المحادثات ذات الصلة، مع رسالة واضحة تؤكد أن ردود روبوت الدردشة لن تتأثر بالإعلانات، وأن بإمكان المستخدمين المجانيين إلغاء الاشتراك في الإعلانات لعدد محدود من الرسائل اليومية.
ويقول نيخيل لاي إن هذه الطريقة تعمل كلوحة إعلانية، إذ تولد طلباً وتبني وعياً بطريقة لا يمكن تحقيقها بدونها. لكنها تواجه منافسين أقوياء. فقد اعتمد قطاع التكنولوجيا نموه الهائل على مدى العقدين الماضيين على هيمنته المتزايدة على سوق الإعلانات، حيث يرتبط الحفاظ على مجانية محركات البحث بالتسويق المصاحب لاستخدامها، بدءاً من الإعلانات المصوّرة وصولاً إلى الروابط المقترحة. وتُشكّل الإعلانات الرقمية حالياً نحو ثلاثة أرباع سوق الإعلانات العالمي الذي يتجاوز تريليون دولار، وتُهيمن جوجل على هذا القطاع، بإيرادات إعلانية 82.3 مليار دولار في الربع الأخير 2025، بزيادة قدرها 10 مليارات دولار تقريباً عن العام السابق. مع ذلك، وبعد أن استقطبت جوجل، إلى جانب عمالقة آخرين مثل ميتا وأمازون، إيرادات من أسواق الإعلانات التقليدية في التلفزيون والمطبوعات، باتت تواجه تهديدات لأنظمة إعلاناتها المتطورة.
وقد أدخلت جوجل بالفعل الإعلانات في وضع الذكاء الاصطناعي، وواجهة الدردشة المدمجة في البحث التقليدي، بالإضافة إلى ملخصات الذكاء الاصطناعي التي تظهر أعلى نتائج البحث، لكنها لم تُطبّق ذلك على منصة جيميني حتى الآن، وهو ما قد يُساعدها على استقطاب المستهلكين من روبوتات الدردشة المجانية الأخرى التي تعمل بالذكاء الاصطناعي والتي تُقدّم الإعلانات. ويقول المحللون إن بإمكانها التريث نظراً لما لديها من إيرادات ضخمة من أعمالها الإعلانية الحالية.
ومع التزايد المتسارع للنفقات الرأسمالية من جانب شركات التكنولوجيا لبناء وصيانة مراكز البيانات اللازمة لقوة الحوسبة المطلوبة لتشغيل وتدريب الذكاء الاصطناعي، سيتعين على عائدات الإعلانات مواكبة هذا النمو لتوفير الموارد المالية اللازمة لهذه الشركات. ويشير تحليل أجرته شركة الاستشارات «ماديسون آند وول» إلى أن «السيولة النقدية المتولدة داخلياً يعاد استثمارها كلها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يترك مجالاً ضئيلاً لاستخدامات أخرى اختيارية لرأس المال.
ويقول لوك ستيلمان، المدير الإداري في ماديسون آند وول: «نحن في سباق تسلح بين الشركات الكبرى لمحاولة التفوق على منافسيها، وبالتأكيد الشركات التي تمتلك أعمالاً ضخمة وناجحة لديها متسع أكبر للبقاء في السوق. وبالنسبة لأوبن ايه آي، يبدو الأمر أشبه بمحاولة عبثية، فهم بحاجة إلى توليد المزيد من الإيرادات بكل الطرق الممكنة، فلماذا لا يُدخلون الإعلانات أيضاً؟».
من جانبها، تتخذ شركة أنثروبيك موقفاً حازماً ضد الإعلانات. ركزت الشركة على تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي للشركات، حيث يُتوقع أن يأتي حوالي 80 % من إيراداتها من عملاء المؤسسات، مقارنةً بنسبة تتراوح بين 40 و50 % لشركة «أوبن إيه آي».
وبعد أسابيع من إعلان أوبن إيه آي قرارها الخاص بالإعلانات، أطلقت أنثروبيك حملة إعلانية تُبين نهجها المختلف. وعُرض أحد الإعلانات خلال مباراة السوبر بول، وبدأ بكلمة «انتهاك»، وانتهى بمقطع من أغنية دكتور دري «الفرق بيني وبينك». ويُظهر الإعلان رجلاً يسأل عن نصيحة للحصول على عضلات بطن مشدودة بسرعة. وبعد توقف قصير، يُجيب عنه شخص مبتسم، في إشارة إلى روبوت محادثة يُعالج الإجابة: «الإعلانات قادمة إلى الذكاء الاصطناعي.. لكن ليس إلى كلود». ويقول خبراء التسويق إنه كما اعتمدت جوجل على الإعلانات لتمويل إطلاق خدماتها «المجانية» مثل البحث والبريد الإلكتروني، فمن المؤكد أن معظم البدائل المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستحذو حذوها سعياً وراء الربح. وفي الواقع، لم يغب عن بال مسؤولي الإعلانات المفارقة في استخدام أنثروبيك لوسيلة معرضة لخطر فقدان أهميتها لصالح المنصات الجديدة، إذ يتوقعون أن يلجأ عملاؤهم في مجال التسويق قريباً إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالإعلانات للوصول إلى عملائهم بدلاً من الإعلانات التلفزيونية المكلفة.
وقد ارتفعت عائدات الإعلانات على محركات البحث بنسبة 10.2 % لتصل إلى 244.9 مليار دولار في 2025، وفقاً لشركة «دبليو بي بي ميديا»، مع تزايد حصة برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمتصفحات من هذه العائدات. وأشارت الشركة إلى أن عائدات إعلانات التجارة الإلكترونية قد تتأثر سلباً مع لجوء المستهلكين إلى بدء رحلتهم التسويقية عبر برامج الدردشة الآلية بدلاً من المتاجر التقليدية.
ويقول مارك ريد، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «دبليو بي بي»: مثلما أحدث البحث ثورة في الإعلانات الرقمية، فإن الذكاء الاصطناعي على وشك إحداث تحول جذري في إعلانات البحث. وسيمنح الجمع بين النماذج سريعة التطور وتزايد إقبال المستهلكين المعلنين طرقاً جديدة للوصول إلى المستهلكين. ومن المنطقي أن تكون نماذج الإعلانات المدفوعة والمختلطة هي الأنسب لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تماماً كما هو الحال مع جميع نماذج الوسائط الأخرى كما هو الحال مع نتفليكس وأمازون. ومع ذلك، ورغم أهداف أوبن ايه آي الطموحة، يتوقع مسؤولو الإعلانات أن يستغرق تحقيقها بعض الوقت. ويقول سكوت دوكينز من شركة دبليو بي بي: ستكون الإمكانات في السنة الأولى محدودة للغاية.
ويلفت دينتون كلارك من شركة ستاغويل إلى أن التسرع ينطوي على مخاطر، مشيراً إلى أن أوبن ايه آي قد تُقوّض منتجها الأساسي إذا لم تكن حذرة. ويضيف: التحدي الذي يواجه «أوبن ايه آي» واضح. لأنه إذا أثرت الإعلانات سلباً على مصداقية الإجابات، فإنها ستُضعف الثقة التي تعطي لـ«شات جي بي تي» قيّمة.
لكنّ مسؤولي الإعلانات لا يساورهم شكٌّ في أن روبوتات الدردشة هي الأفق الجديد، إذ تتيح لهم الوصول إلى المستهلكين الذين ربما يكونون قد حسموا أمرهم بالفعل بشأن ما يريدونه، حتى وإن كانوا لا يزالون يبحثون عن إجابات.
