جيليان تيت
قبل عدة أيام ظهرت معلومة مثيرة للدهشة حول سوق سندات الخزانة الأمريكية، حيث أظهرت تقارير شركة «تيثر»، أكبر عملة مستقرة في العالم، أن المجموعة اشترت سندات حكومية أمريكية بقيمة 28.2 مليار دولار في 2025، ما يجعلها سابع أكبر مشترٍ خارجي. وهذا يتجاوز مشتريات دول مثل الصين.
وفي الواقع، تتجاوز حيازات «تيثر» و«سيركل»، ثاني أكبر مجموعة عملات مستقرة، مجتمعة من سندات الخزانة بسهولة حيازات المستثمرين من دول مثل كوريا الجنوبية. نعم، هذا صحيح. وهو أمرٌ مُثير للدهشة، فقبل 5 سنوات فقط، كانت العملات المستقرة - وهي عملات رقمية تعمل على تقنية البلوك تشين، مثل بيتكوين لكن قيمتها مرتبطة بعملة أو أصل عادي - ضئيلة الأهمية بدرجة كبيرة.
هل هذا أمرٌ جيد؟ يعتقد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ذلك فقد أشار مراراً إلى أن العملات المستقرة سلاح يمكن استخدامه لتعزيز استخدام الدولار عالمياً، واستيعاب إصدارات الديون الأمريكية المتزايدة باستمرار. كما يعتقد أن هذا القطاع قد يتوسع من حجمه الحالي البالغ 300 مليار دولار إلى 3 تريليونات دولار قريباً، بغض النظر عن الصعوبات الحالية التي تواجهها قطاعات أخرى من العملات الرقمية.
في المقابل، يكره العديد من قادة العالم احتمال حدوث المزيد من هيمنة الدولار. والمثير للدهشة، أن هناك معارضة لذلك، داخل أمريكا أيضاً، من جانب بنوكها العملاقة. ويوم الثلاثاء الماضي، عقد البيت الأبيض اجتماعاً بين المصرفيين وداعمي العملات الرقمية لمناقشة التفاصيل التي تبدو غامضة حتى الآن لقواعد العملات المستقرة الجديدة. وقد بلغت حدة التوتر ذروتها لدرجة أن جيمي ديمون، رئيس بنك جيه بي مورغان، صرّح في دافوس الشهر الماضي بأن برايان أرمسترونغ، رئيس مجموعة كوين بيس للعملات الرقمية، «يُضلل الناس».
ويجد كثير من المستثمرين أنفسهم بحاجة إلى متابعة هذا الصراع المالي لعدة أسباب. أحدها وهو واضح لأن هذا الأمر مهم لسندات الخزانة. ثانياً، قد يؤثر هذا الصراع أيضاً على مستقبل التمويل والاستقرار المالي، نظراً لأن اجتماع الثلاثاء كان يدور أساساً حول ما إذا كانت العملات المستقرة ستنافس الودائع المصرفية المحلية أم لا. وحتى الآن، بدت هذه الفكرة ضرباً من الخيال. ففي نهاية المطاف، لا يزال قطاع العملات المستقرة خاضعاً لهيمنة جهات خارجية، مثل شركة تيثر، وقد أشارت التقارير سابقاً إلى ارتباط العديد من تدفقات هذه العملات بأنشطة إجرامية.
وتخشى هيئات تنظيمية من مساهمة ذلك في دعم استمرار تفشي الجريمة. مع ذلك، فقد دعم البيت الأبيض خلال الصيف الماضي مشروع قانون من الحزبين في الكونغرس، يُعرف باسم قانون «جينيوس»، لدمج هذا القطاع في النظام المالي المحلي. وقد حظر هذا القانون على الجهات المصدرة، مثل تيثر، دفع فوائد على العملات المستقرة، لكنه سمح لأطراف ثالثة، مثل منصة كوين بيس، بالقيام بذلك. وهذا التعقيد يُثير مخاوف البنوك من فقدان ودائع الأفراد لديها لصالح منتجات العملات المستقرة، نظراً لارتفاع فوائدها. لذا، تسعى البنوك جاهدة إلى وقف مثل هذا النزيف من خلال إعادة صياغة مشروع قانون جديد مقترح، يُسمى قانون «كلاريتي» أو الوضوح. ويرى معهد السياسات المصرفية أن «نمو العملات المستقرة سيؤدي إلى انخفاض الودائع المصرفية والإقراض»، محذراً من أن هذا التوجه سيحد من الائتمان الأمريكي و«يزيد من خطر حدوث أزمة مالية»، على غرار أزمة 2008.
ويعارض قطاع العملات المشفرة بشدة فكرة أن ودائع الأفراد ستتلاشى أو أن هذه العملات تضر بالبنوك (التي تملك قاعدة ودائع هائلة تصل إلى 18 تريليون دولار). ويشيرون العاملون بقطاع العملات المشفرة أيضاً إلى أن جزءاً متزايداً من الإقراض الأمريكي يأتي بالفعل من القطاع الخاص، وليس من البنوك، ويجادلون بأن كبح نمو العملات المستقرة سيمنح الصين ميزة تنافسية، بعد أن سمحت مؤخراً للمجموعات المالية بدفع فوائد على اليوان الرقمي.
وقال رايان أرمسترونغ بغضب: تريد البنوك حظر هذه العملات للحفاظ على احتكارها، ما أثار هجوماً من جانب جيمي ديمون. ولا شك في أن هذا الجدل سيستمر طويلاً. وفي الحقيقة، لا يستطيع أي من الطرفين حسم موقفه بشكل قاطع بالبيانات المتاحة، وذلك تحديداً لأن القطاع لا يزال حديثاً، وهو ما تشير إليه بالفعل ورقة بحثية صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي.
وثمة قضية ثالثة مهمة تستحق المتابعة: ما يكشفه هذا الأمر عن الانقسامات السياسية المحيطة بالبيت الأبيض. فقد وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منصبه متعهداً بدعم عالم العملات الرقمية، الذي كان أكبر داعميه في حملة 2024، كما دائرته المقربة تستثمر بقوة في هذا المجال، وهو ما يركز عليه الديمقراطيون؛ بل إن وزير التجارة هوارد لوتنيك نفسه له صلات بشركة تيثر. وقد ابتهج أقطاب التكنولوجيا الداعمون لترامب بهذا الأمر.
في الوقت نفسه، تعد بنوك وول ستريت هي الأخرى من كبار المانحين السياسيين، وغالباً ما تحصل على دعم الجمهوريين في الكونغرس لمصالحها. عموماً، لقد تحولت حكاية العملات المستقرة الآن إلى صراع بين فصائل متنافسة من مؤيدي ترامب. وعلى هذا النحو، فإنها تُذكّر بالانقسامات التي اندلعت في البيت الأبيض حول تأشيرات H-1B. وهذه الصراعات الفصائلية لا تقل أهمية بالنسبة للمستثمرين عن المعارك المعتادة بين الديمقراطيين والجمهوريين. وربما ينجح بيسنت في التوسط لإحلال السلام. أو ربما يُطوى ملف مشروع قانون «كلاريتي» بهدوء. لكن في هذه الأثناء، أصبحت العملات المستقرة مؤشراً بالغ الأهمية، ليس فقط للتحولات في المشهد المالي العالمي، بل وللسياسة الأمريكية والجغرافيا السياسية أيضاً.
