مكانة سندات الخزانة الأمريكية ملاذاً عالمياً آمناً تتقوض وتتلاشى

جون بليندر

مع اقتراب الدين العام الأمريكي من مستويات زمن الحرب كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، يشعر المستثمرون المحترفون بالقلق، وهذا أمر طبيعي. كما تتزايد تساؤلاتهم حول قدرة الولايات المتحدة المالية على تحمل التزامات الميزانية العمومية الضخمة التي تُنشئها من خلال عجز حسابها الجاري.

وتتفاقم مخاوفهم بسبب التشتت الجيوسياسي الذي أحدثه ترامب، والصدمات السياسية المتقلبة، بما في ذلك سياسة التعريفات الجمركية المصممة للإضرار بحلفاء أمريكا أكثر من أعدائها، والهجوم المستمر على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، والتهديدات الإمبريالية بضم غرينلاند.

في الواقع، كاد دونالد ترامب يُفجّر إحدى المسلّمات الكبرى في عالم الاستثمار، ألا وهي أن السندات السيادية أصول آمنة وخالية من المخاطر، فقد أسهمت عودته الثانية بشكل كبير في تقويض دور سندات الخزانة الأمريكية كأداة التحوط الأمثل في أسواق رأس المال العالمية. كما ازدادت حدة الشكوك القديمة حول استمرار هيمنة الدولار كعملة احتياطية.

وتشير استطلاعات آراء المستثمرين المحترفين حول العملة الأمريكية إلى ضعف مزمن متوقع، وذلك على الرغم من الفارق الإيجابي بين أسعار الفائدة الأمريكية وأسعار الفائدة في دول مجموعة العشر. ويبدو احتمال أن تقدم معجزة في إنتاجية الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً يخفف من وطأة الأزمة المالية الأمريكية مجرد تكهنات مغرية.

وللإنصاف، فإن المخاوف بشأن الدين العام لا تقتصر على الولايات المتحدة، فالين، العملة العالمية التي تعتبر ملاذاً آمناً، يفقد قيمته هو الآخر. ووفقاً لدافيد أونيليا من شركة غلوبال داتا تي إس لومبارد، فإن هذا يخالف ما كان يحدث في فترات «تجنب المخاطر» عندما يصبح المستثمرون أكثر تحفظاً.

وقد تغيرت العلاقة التاريخية بين الين وأسعار الأصول الرئيسية الأخرى، ما أضعف خصائصه كأداة للتحوط من المخاطر. وتقف وراء هذا التحول مخاوف بشأن استدامة الدين، أثارتها وعود رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي الانتخابية.

كما يسهم في ذلك أيضاً قيام بنك اليابان بتطبيع أسعار الفائدة بعد فترة انكماش طويلة شهدتها البلاد. ويشير أونيليا إلى أن المستثمرين أعادوا ترتيب أولويات الأصول الآمنة، حيث تصدّر الفرنك السويسري والدولار السنغافوري والذهب والسندات الألمانية قائمة هذه الأصول.

في هذا السياق، اضطرت سوق سندات الخزانة الأمريكية العام الماضي إلى التكيف مع سياسة التضييق الكمي التي انتهجتها البنوك المركزية، أي عكس برامج شراء الأصول، وتراجع إقبال مديري الاحتياطيات على سندات الحكومة الأمريكية.

كما انخفض «عائد التيسير» على سندات الدين الحكومية الأمريكية، وهو العائد الذي يمنحه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بهذه السندات لضمان سلامتها وسيولتها، ما أدى إلى تآكل الدعم الذي يحصل عليه دافعو الضرائب الأمريكيون من إصدار أصول يُفترض أنها آمنة. كما تضاءلت فوائد التحوّط التي توفرها سندات الحكومة مع ازدياد ترابط الأسهم والسندات.

وبينما يُعزى ضعف الدولار جزئياً إلى تزايد الوضع السلبي للأصول الأجنبية للولايات المتحدة، إلا أنه لا يقتصر على المستثمرين الأجانب فقط، فبحسب ستيت ستريت، كان المستثمرون الأمريكيون وراء الانخفاض الحاد في قيمة الدولار خلال النصف الأول من العام الماضي، حيث خفضوا حجم تحوطهم لمخاطر العملات الأجنبية، أي بيع الدولار، إلى أكثر من النصف، من نحو 25 % في بداية عام 2025 إلى ما يزيد قليلاً على 12%.

يُعدّ هذا التنويع منطقياً، لا سيما فيما يتعلق بأوروبا. ففي مذكرة لا تزال مفيدة حتى اليوم، أشار مارك سيدنر وبرامول داوان، من شركة إدارة الصناديق بيمكو، في عام 2024 إلى أنه من المنطقي بيع جزء من أسهم القطاع العام الأمريكي مقارنة بالقطاع الخاص، بينما ينعكس هذا الوضع في أوروبا، حيث لا يزال زخم النمو متوقفاً، والاستجابات المالية محدودة.

باختصار، تتمتع الولايات المتحدة ببيانات دخل أقوى، بينما يتمتع الاتحاد الأوروبي عموماً بميزانية عمومية أكثر متانة. وهناك مفاضلة، فالولايات المتحدة قادرة على النمو، لكنها تخوض غمار تجربة غير مسبوقة؛ أما أوروبا فتكافح من أجل النمو، لكنها استطاعت تجاوز تقلبات اقتصادية مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وأزمة الديون اليونانية، لذا من المنطقي السعي إلى الاستثمار في الأسهم الأمريكية والسندات الأوروبية.

ومن الملاحظ أن المستثمرين الأجانب زادوا حصتهم في الأسهم الأمريكية، بينما خفضوا حصتهم في سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما يثير فكرة تبدو متناقضة، وهي أن الأسهم الأمريكية قد تصبح أصلاً احتياطياً عالمياً.تكمن المفارقة الأكبر في إمكانية اعتبار السندات السيادية أصولاً آمنة. صحيح أنها أقل تقلباً من الأسهم، لكنها عرضة للتقوض بفعل التضخم.

وقد أظهر إيلروي ديمسون وبول مارش ومايك ستونتون، في كتاب «يو بي إس» السنوي لعوائد الاستثمار العالمية، أن انخفاضات سوق السندات، أي من الذروة إلى القاع، كانت تاريخياً أكبر و/ أو أطول من انخفاضات سوق الأسهم.

وللعلم، فقد تسبب انخفاض سوق السندات الأمريكية منذ يوليو 2020 في خسارة حقيقية للمستثمرين بلغت 51 %. عموماً، لن تتوقف سندات الخزانة الأمريكية عن كونها عامل جذب لرؤوس الأموال العالمية. وستكون عملية التخلص من الدولار عملية طويلة الأمد. لكن الدرس المستفاد في النهاية هو أن مفهوم الأمان التام في أسواق رأس المال نسبي للغاية.