إليترا أرديسينو
شدد كيفن وارش، الرئيس المُفترض لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، مرات عدة خلال العام الماضي، على أن أسعار الفائدة في الولايات المتحدة مرتفعة للغاية. وقد اعتبرت الأسواق ذلك مؤشراً على قرب خفض أسعار الفائدة. ويتوقع المستثمرون حالياً خفضين لأسعار الفائدة هذا العام، ما سيرفع سعر الفائدة القياسي إلى ما بين 3 و3.25% بحلول نهاية عام 2026.
يأتي ذلك فيما تشير البيانات الحديثة إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال قوياً، وأن أسواق العمل مرنة، وأن التضخم يتباطأ ببطء. كذلك، فمن شأن الضربات الأمريكية على إيران أن تزيد من المخاوف بشأن التضخم. وهذا يشير إلى أن السبب الرئيسي وراء استمرار التوقعات بخفض أسعار الفائدة هو توقعات ميل وارش إلى سياسة نقدية توسعية.
ولا يستطيع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي تحديد مسار أسعار الفائدة بمفرده، بل يحتاج إلى إجماع أغلبية أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية. على الرغم من ندرة الاعتراضات الصريحة، إلا أن معارضة قوية من أغلبية الأعضاء المصوتين في اجتماع السياسة النقدية لخفض أسعار الفائدة من شأنها أن تثني وارش عن المضي قدماً في هذا القرار.
وباستثناء ستيفن ميران، الذي سيتنحى لإفساح المجال أمام وارش، فإن أكثر عضوين في مجلس الاحتياطي الفيدرالي ميلاً للتيسير النقدي هما كريستوفر والر وميشيل بومان. لكن في تصريحات حديثة، ألمح كلاهما إلى أنهما أصبحا يعتمدان بشكل أكبر على البيانات في نهجهما لتحديد أسعار الفائدة، ولا يدعمان بالضرورة المزيد من التيسير النقدي الوشيك.
وقال كريستوفر والر، الذي صوّت مع ميران لصالح خفض أسعار الفائدة في يناير، الأسبوع الماضي إن بيانات سوق العمل لشهر يناير «جاءت أقوى بكثير مما توقعت»، وأنها قد تدفعه نحو دعم «التريث في الاجتماع القادم» إذا ما أكدتها أرقام فبراير. لكنه أكد مجدداً أن سوق العمل لا يزال المحرك الرئيسي لآرائه السياسية، وأنه لا يعوّل كثيراً على مخاطر التعريفات الجمركية على التضخم.
من جانبها، فبعد أيام من اجتماع تحديد أسعار الفائدة في يناير، وصفت ميشيل بومان التصويت بأنه خيار «بين إجراء ثلاثة تخفيضات بحلول اجتماع أبريل، أو التحرك بوتيرة أكثر تروياً». وقد تم حسم تصويتها بالإبقاء على أسعار الفائدة في نهاية المطاف من خلال تزايد «مؤشرات الاستقرار» في سوق العمل، فضلاً عن «ارتفاع التضخم نوعا ما». وقالت بومان أيضاً إن «التشويش الإحصائي الناجم عن إغلاق الحكومة» قلل من «الإشارة المهمة» في البيانات، مؤكدة أن تصويتها في الاجتماعات المقبلة سيتحدد بناءً على ما تُظهره البيانات.
ومثل والر، يبدو أن بومان تبتعد عن الخطاب التيسيري الثابت، مما يشير إلى أن اثنين من أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية الأكثر ميلاً للتيسير سيدعمان تخفيضات أسعار الفائدة في المستقبل القريب فقط إذا بررت البيانات مثل هذه الخطوة. أما آراء أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي الآخرين الدائمين بشأن المزيد من التيسير، فتتراوح بين التردد والمعارضة الشديدة.
ويُعد فيليب جيفرسون الأقرب إلى تأييد خفض آخر لأسعار الفائدة. ففي فبراير، صرّح بأنه يرى «مخاطر على كلا الجانبين» في التفويض المزدوج. ومع ذلك، فقد ركز بشكل أكبر على سوق العمل، مصرحاً بأنه على الرغم من توقعه «استقرار معدل البطالة تقريباً في سوق العمل الأقل ديناميكية هذا، إلا أن مخاطر التراجع لا تزال قائمة». وكان جيفرسون أقل قلقا بشأن التضخم، إذ قال: «لا تزال هناك بعض مخاطر الارتفاع، لكنني أتوقع استئناف عملية خفض التضخم هذا العام، وقد يُسهم النمو القوي المتوقع في الإنتاجية في خفض التضخم».
في المقابل، ركّز كل من مايكل بار وليزا كوك على مخاطر التضخم الذي يتجاوز الهدف أكثر من تركيزهما على احتمالية ارتفاع البطالة. وقال بار إنه «يرى أن خطر استمرار التضخم فوق هدفنا البالغ 2% كبير»، لكن سوق العمل في «توازن دقيق»، ما دفعه إلى استنتاج مفاده أنه «من المرجح أن يكون من المناسب الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة لبعض الوقت».
ويُعدّ تفسير ليزا كوك أكثر تشدداً من تفسير بار. ففي أوائل فبراير، صرّحت بأن «التضخم يبدو أنه قد استقرّ بشكلٍ عنيد فوق هدفنا البالغ 2%»، بينما «يبدو أن سوق العمل قد استقر». ولذلك، ترى كوك أن المخاطر التي تواجه التفويض المزدوج للاحتياطي الفيدرالي «تميل نحو ارتفاع التضخم»، مما يدفعها إلى تأييد الإبقاء على سعر الفائدة لفترة أطول. ويمتدّ تفسير كوك المتشدد إلى بيانات ضعف ثقة الأسر، والتي تعتقد أنها ناجمة عن تجربة التضخم المرتفع الأخيرة والمخاوف من البطالة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، من بين عوامل أخرى. وقالت: «ضعف الثقة لا يُشير، في رأيي، إلى وجود ركود متزايد يمكننا معالجته بسياستنا النقدية التقليدية التي تُركّز على جانب الطلب».
باختصار، يبدو أن فيليب جيفرسون سيؤيد على الأرجح المزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة إذا تراجعت بيانات سوق العمل، حتى لو انخفض التضخم ببطء شديد. لكن بار سيحتاج على الأرجح إلى رؤية انخفاض أسرع في مؤشرات التضخم في غياب ضعف ملحوظ في سوق العمل، بينما ستحتاج كوك إلى رؤية انخفاض في التضخم وضعف في سوق العمل لتأييد خفض أسعار الفائدة.
وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، التي تُعد عادةً من أكثر أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية تشدّداً، في خطاب ألقته مؤخرا، إنها قلقة بالتأكيد من التضخم «المرتفع جداً» أكثر من قلقها بشأن سوق العمل، الذي «يشهد استقراراً». وتعتقد بيث هاماك أيضاً أن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية يحوم حول المستوى المحايد وأن «مخاطر المسار التصاعدي أو التنازلي متوازنة تقريبا». ويتشابه تقييم هاماك للاقتصاد الأمريكي والموقف السياسي مع تقييم لوري لوغان، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، والتي تدلي بصوتها هذا العام أيضاً.
وصرحت لوغان في فبراير أنها تعتقد أيضاً أن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية يقع ضمن النطاق المحايد، وأنها «متفائلة بحذر» بأن التضخم سيعود إلى 2% بالسعر الحالي دون أن يختل توازن سوق العمل. وهذا يعني «عدم الحاجة إلى مزيد من تخفيضات أسعار الفائدة لتحقيق أهدافنا المزدوجة». وبدت لوغان أكثر تشككاً من هاماك بشأن إمكانية تبرير المزيد من تخفيضات أسعار الفائدة، إذ قالت: «لست متأكدة تماماً بعد من أن التضخم سيعود إلى 2%»، مضيفة أنه لم تظهر سوى مؤشرات قليلة على التيسير النقدي في الأشهر الأخيرة، وأن السياسة المالية مهيأة لدعم الاقتصاد. ومثل كوك، أشارت إلى أن النشاط الاقتصادي كان قوياً و«انتعش بقوة» العام الماضي.
وفي حين لم يُدلِ عضوا مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإقليميان الآخران بتصريحات علنية مؤخراً، فإن تحليلات لوغان وهاماك للاقتصاد الأمريكي تتسم بنظرة متشددة للغاية. وإذا ما مال وارش إلى نهج أكثر تيسيراً خلال الأشهر الأولى له على رأس البنك المركزي، فمن المرجح أن يكون دعم زملائه له فاتراً في أحسن الأحوال، بل ومحدوداً.
وهكذا، لم يقتنع بعد متوسط تصويت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بوجود حجة قاطعة لإجراء المزيد من التخفيضات.
