مارتن وولف
تتواصل بقوة الضربات العسكرية ضد إيران ضمن ما أطلق عليها اسم «عملية الغضب الملحمي»، لكن ينبغي التساؤل: ماذا بعد؟ فقد حاولت الأسواق، كعادتها، معالجة هذا السؤال من منظور ضيق. وحتى الآن، كان رد الفعل خافتاً.
بحلول الثالث من مارس، ارتفع سعر خام برنت فوق 80 دولاراً للبرميل. ولا يعد هذا المستوى ولا هذا التغيير مفاجئاً بمعايير الصدمات التاريخية لأسعار النفط، فبالقيمة الحقيقية، كان سعر النفط أعلى بنسبة 6% من متوسطه منذ عام 1972، وأقل بكثير من المستويات التي سجلت خلال صدمات أسعار النفط الكبرى.
في المقابل، كان ارتفاع أسعار الغاز أكثر حدة، فقد قفزت الأسعار الفورية لغاز TTF الهولندي بنسبة 40% وسط مخاوف بشأن صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال. وأبدت الأسواق قلقاً بشأن مستقبل التضخم، حيث ارتفعت أسعار الذهب وانخفضت أسعار السندات. ولا شيء من هذا مفاجئ أو مثير للقلق، فالافتراض الضمني هو أن هذه الموجة ستكون قصيرة الأجل، مع تداعيات قليلة، إن وجدت، على المدى الطويل.
وكما يشير الخبير الاقتصادي بول كروغمان، يمكن دعم هذا التفاؤل، على الأقل عند مقارنة النتائج الاقتصادية المحتملة بتلك التي خلفتها صدمات النفط السابقة، ومع انخفاض كثافة النفط في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 70% منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.
ووفقاً للمعلق سيمون نيكسون، تمتلك الولايات المتحدة احتياطياً استراتيجياً قدره 425 مليون برميل، مرتفعاً من 347 مليون برميل في أواخر عام 2023. وقد نمت المخزونات التجارية في العالم المتقدم بمقدار 140 مليون برميل إضافية خلال الفترة نفسها. في غضون ذلك، «يبدو أن الصين قد أضافت أكثر من 700 مليون برميل إلى مخزونها الإجمالي، الذي يقترب الآن من ملياري برميل بدلاً من 1.2 مليار برميل».
ومع ذلك، فإن ما يحدث هو تحديداً السيناريو الأكثر اضطراباً الذي توقعته عند اندلاع حرب غزة عام 2023، ألا وهو حرب تؤثر على منطقة الخليج بأكملها، فهذه المنطقة أهم مورد للطاقة في العالم. وبحسب المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية لعام 2025، تحتوي منطقة الخليج على 48% من احتياطيات النفط العالمية المؤكدة، وأنتجت 31% من نفط العالم في عام 2024. كما تحتوي على 40% من احتياطيات الغاز الطبيعي العالمية، وساهمت بنسبة 24% من إجمالي صادرات الغاز الطبيعي المسال في عام 2024. ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، الذي يعد نقطة اختناق رئيسية لإمدادات الطاقة العالمية. وهكذا، فإن حرباً طويلة الأمد تعطل الصادرات من منطقة الخليج، أو ما هو أسوأ، تلحق الضرر بقدرتها على الإمداد، قد تكون باهظة التكاليف.
ولا بد أن الإدارة الأمريكية تدرك ذلك. وقد لا نعرف أبداً سبب إشعالها الحرب، لكن عندما تصر على رغبتها في حرب قصيرة، فقد تكون صادقة. لكن هل الأمور ستكون كذلك بالفعل، فهذا أمر آخر: فالولايات المتحدة لم تكن تسعى أصلاً لخوض حرب دامت 20 عاماً في أفغانستان، والتي منيت فيها بهزيمة مذلة!
وقد تستخدم الحرب الطويلة لتبرير إعلان حالة الطوارئ داخل الولايات المتحدة. لكن ثمة اقتراح أكثر جاذبية ومنطقية لدونالد ترامب، ألا وهو «الخيار الفنزويلي»: الدخول، والتوصل إلى اتفاق، ثم الانسحاب.
لكن مع الأسف، يكاد يكون من المستحيل حدوث انتقال سريع إلى الديمقراطية، إذ لا تتوفر سوى القليل من الشروط اللازمة لذلك حالياً. علاوة على ذلك، فإن ترامب لا يبالي بالديمقراطية إطلاقاً. صحيح أن الانهيار والفوضى أمر وارد، لكن الأرجح هو ظهور حكام جدد من الدائرة نفسها. حينها قد يسعى ترامب إلى عقد اتفاق: سنبقيكم في السلطة إذا كففتم عن تهديد جيرانكم وسمحتم لنا بتقاسم النفط. وتمتلك إيران 9% من احتياطيات النفط العالمية، لكنها لا تنتج سوى 5% من إنتاج النفط: والمكاسب هنا واضحة.
هل سيوجد في إيران من يتقبل هذا الاتفاق بعد هذا الدرس القاسي في قوة الولايات المتحدة (وإسرائيل)؟ أراهن على ذلك. وإذا تم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، قد تعود منطقة الخليج إلى الاستقرار، بل إلى استقرار يفوق بكثير ما شهدته منذ عقود بعد الثورة الإيرانية. علاوة على ذلك، فإن أي نتيجة من هذا القبيل قد تقلل من أخطر احتمال لانهيار أي دولة، وهو ما يحذر منه عالم السياسة ستيفن هولمز من إمكانية إطلاق العنان للمواد النووية الإيرانية وعلماء ومهندسي الطاقة النووية للانتشار حول العالم. ومن المؤكد أن إيران مستقرة لا تخوض حرباً مع جيرانها ستكون أفضل من ذلك.
كما أن لهذه النتيجة فوائد أخرى للولايات المتحدة: إذ سيتعزز موقعها في الخليج على حساب الصين والاتحاد الأوروبي، وهما القوتان الاقتصاديتان العظميان الأكثر اعتماداً على تلك المنطقة؛ وستعود كذلك أسعار النفط إلى طبيعتها؛ وسيستقر الاقتصاد العالمي بعد اضطراب قصير.
هل أنا بذلك ألمح إلى أن ترامب كان يفكر في شيء متماسك كهذا عندما قرر لإطلاق الحرب؟ كلا. هل ألمح أيضاً إلى أن هذا سيحدث حتماً؟ كلا أيضاً. إذ من المحتمل أن تبقى إيران في حالة عدم استقرار شديد لفترة طويلة. أو قد تستمر الحرب، ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والتضخم في ظل الهشاشة الاقتصادية عالمياً.
مع ذلك، عند النظر إلى هذه الإدارة، فإن أكبر الاحتمالات هو الأكثر تشاؤماً. سواء خطط ترامب لذلك أم لا، فقد يكون قد هيأ الظروف لعقد اتفاق مع من يسيطرون على مقاليد السلطة في إيران. مثل هذا الاتفاق سيكون مقبولاً لدى جيرانها. كما سيظهر قوة الولايات المتحدة. وسيثير قلق أوروبا والصين. فما الذي قد لا يروق لترامب في كل هذا؟
