كان الأسبوع الماضي عصيباً على الأسواق، حتى بالنسبة للمستثمرين الذين اعتادوا على التقلبات الحادة، في ظل ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية. ومع ذلك، فإنه رغم مآسي الموت والدمار الناجمة عن حرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران، ورد فعل طهران المتهور، يثير حجم التأثير الاقتصادي المحتمل للصراع تساؤلاً حول ما إذا كانت الأسواق تتفاعل مع ما يحدث بالقدر الكافي.
وفي العديد من الأزمات الجيوسياسية السابقة، كانت صدمات أسعار النفط نذيراً بأضرار اقتصادية عالمية واسعة النطاق. وقد تجاوز سعر خام برنت، المعيار الدولي للنفط، 90 دولاراً للبرميل يوم الجمعة، مرتفعاً من حوالي 70 دولاراً، قبل بدء الحرب قبل ذلك بأسبوع. وفي أوروبا، تضاعفت أسعار الغاز الطبيعي تقريباً، كما تشهد أسعار الكهرباء تقلبات حادة، حيث يتناوب الغاز، الذي أصبح باهظ الثمن، مع مصادر الطاقة المتجددة الأقل سعراً في مزيج الطاقة.
وتضررت الأسهم، وتشير أسواق السندات، حيث قفزت العوائد، إلى مخاوف من التضخم. ورغم ذلك كله، لا تزال أسعار الأسهم قريبة من مستوياتها في بداية العام في معظم الأسواق المتقدمة. لا تُشير الأصول الآمنة التقليدية، من الفرنك السويسري إلى الذهب، إلى أي موجة خوف مفاجئة. فما سبب هذا الهدوء؟
على الرغم من صدور العديد من التحذيرات من جانب المحللين الجيوسياسيين للمستثمرين من التراخي، فإنه من الواضح حتى الآن، أنه تم تجاهل معظم هذه التحذيرات.
إن من يدقون ناقوس الخطر مُحقون، فالصراع في الشرق الأوسط يتفاقم بالفعل بأكثر مما كان يعتقد معظمهم. وكلما طال أمد هذا الصراع، زاد اضطراب سلاسل التوريد العالمية الحيوية. وفي الواقع، قد يُشير طموح الرئيس الأمريكي لتغيير النظام في إيران، إلى اضطراب طويل الأمد في المنطقة الغنية بالوقود الأحفوري، بدلاً من الأسابيع القليلة التي كان الكثيرون يتوقعونها.
قد يكون أحد تفسيرات هذا الهدوء، هو أن المستثمرين قد تبلدت مشاعرهم تجاه ما كانت تعتبر في السابق أحداثاً استثنائية. وربما استوعبوا بدرجة كبيرة طريقة التعامل مع ترامب، فهو دائماً ما يتراجع إذا انخفضت الأسواق، لدرجة أن عبارة «ستكون الأسواق بخير»، أصبحت نبوءة تتحقق ذاتياً. ولكن في الوقت الراهن، ليس من الواضح على الإطلاق كيف يُمكن لترامب التراجع عن مغامرته الحربية، و«يعيد الجني إلى الزجاجة»، إذا أصبح رد فعل السوق سلبياً للغاية.
من ناحية أخرى، فإن مسار أسعار النفط من الصراعات إلى الاضطرابات الاقتصادية، لم يعد كما كان عليه في السابق. كما أن ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة، تعني وفرة في المعروض، ما يُسهم في كبح جماح الأسعار العالمية. كذلك، فإن الاقتصادات المتقدمة باتت أقل اعتماداً على النفط بكثير مما كانت عليه خلال صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي.
ويعكس البعض ردود فعل الأسواق أيضاً، إلى أنه بينما تتسبب الولايات المتحدة في الفوضى في أماكن مختلفة حول العالم، فإن اقتصادها المركزي قد يكون بخير. وبفضل النفط الصخري، يمكن النظر إلى ارتفاع أسعار النفط الآن على أنه صدمة إيجابية بالنسبة للولايات المتحدة. كما أن الغاز الطبيعي متاح بوفرة في السوق المحلية لعملاء أمريكا الشمالية، على عكس العملاء الآسيويين الذين يعتمدون بشكل أكبر على الشحنات عبر مضيق هرمز. ومع استمرار هيمنة الأسواق المالية الأمريكية على تدفقات الأموال حول العالم، فإن متانة اقتصادها المحلي قد تدعم الأسواق العالمية.
لكن ما الذي يمكن أن يُزعزع هذه الثقة؟ أولاً، صراع متصاعد طويل الأمد في الشرق الأوسط. ثانياً، تداعيات اقتصادية أكثر خطورة في الداخل. فيوم الجمعة، وفي مؤشر آخر على ضعف سوق العمل، أظهرت الأرقام أن الاقتصاد الأمريكي فقد 92 ألف وظيفة في فبراير. ورغم أن أمريكا قد تكون مُصدِّراً صافياً للطاقة، إلا أن أسعار النفط العالمية لا تزال تؤثر في أسعار الوقود. وقد زاد هذا الأمر من تعقيد الأمور بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وأخيراً، لا يزال التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي، الذي دعم قوة سوق الأسهم الأمريكية، هشاً إلى حد كبير.
مع تزايد حالة عدم اليقين، لا بد من تكرار النصيحة للمستثمرين بتوخي الحذر. وقد يميل البعض إلى الشراء عند انخفاض الأسعار، لكن الصراع وتداعياته الاقتصادية لا تزال مستمرة.
