إلى أين يمكن أن ينتهي بنا السباق العالمي للسرعة؟

تيج باريخ

تزداد وتيرة الحياة سرعة، ففي جميع المجالات - سواء السفر والتصنيع والاتصالات والتداولات المالية ونشر الأسلحة - أصبح البشر أكثر سرعة من أي وقت مضى.

ويلعب التقدم التكنولوجي دوراً بارزاً في هذا الأمر. فبينما احتاج البشر إلى آلاف السنين للانتقال من اختراع العجلة إلى المحركات البخارية، لم يمر سوى 66 عاماً بين أول رحلة طيران بمحرك عام 1903 ورحلة الهبوط على سطح القمر.

لكن البشر يرغبون أكثر وأكثر في أن يكونوا أسرع. ويقول فاتسلاف سميل، الأستاذ الفخري المتميز في جامعة مانيتوبا ومؤلف كتاب «السرعة»، إن إنجاز الأمور بسرعة بات أحد أهم محاور السعي في حياتنا المعاصرة.

ويعرّف فاتسلاف سميل السرعة بأنها معدل تغير أي متغير، مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي أو عدد البتات في الثانية، ويشرح كيف تحوّلت غريزتنا للسرعة إلى منافسة يومية على البقاء المادي والجسدي.

ويقول: بصفتنا ثدييات عالية الحركة، وقضينا جزءاً كبيراً من تطورنا كصيادين وجامعين للثمار، فإننا مُبرمجون فطرياً على تقدير السرعة كونها استراتيجية للبقاء، سواء كان ذلك لتأمين الغذاء والمأوى أو لتجنب المخاطر المميتة. وفي مرحلة لاحقة، أصبحت السرعة مؤشراً على القوة الاقتصادية؛ فبحلول عام 1850، كان مصنع القطن البريطاني أسرع بـ25 مرة من معمل الغزل اليدوي الهندي. كما كان لها أهمية بالغة في التفوق العسكري والتقني: كانت الحرب الخاطفة حجر الزاوية في استراتيجية أدولف هتلر الحربية في أوروبا، وتسابقت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي للوصول إلى الفضاء، والآن تتنافس أمريكا مع الصين على تطوير حوسبة أسرع باستمرار.

ويضيف: لقد عزز الفكر الأكاديمي أيضاً دوافع السرعة، حيث تُعدّ الكفاءة عنصراً أساسياً في علم الاقتصاد، وكثيراً ما تُستخدم لتبرير السعي نحو أسواق سلسة، وسلاسل إمداد تعمل بنظام التوريد في الوقت المناسب. وبالتالي، فقد انتشرت عقلية «الوقت من ذهب» والثقافة التي تُعلي من شأن السلاسة وسهولة الوصول للأشياء. وباتت أسئلة على شاكلة: كم من الوقت يستغرق الأمر؟ وما مدى سرعة إنجازه؟ من بين أكثر المخاوف شيوعاً في العصر الحديث. وكثيراً ما نُطلق على هذه الظواهر صفات مُرتبطة بها (خدمة سريعة، رد سريع، عودة سريعة)، أو مرادفاتها (سريع، خاطف، فوري)، أو صفات أخرى مثل (رقمي، مذهل، غير متوقع، غير مسبوق).

لكن ما نغفل عنه غالباً في سعينا وراء السرعة هو إمكانية أن يكون لبعض التأخر والتمهل قيمة. وقد أكد غورو مادهافان، مهندس النظم ومؤلف كتاب «المشاكل المعقدة.. كيف نصمم عالماً أفضل»، الدور غير المُقدّر للتريث. وقدّم أمثلة محددة عن سلبيات تعاملنا مع التأخير باعتباره عدم كفاءة يجب التخلص منه، قائلاً: «أدت التداولات عالية التردد إلى إلغاء تكاليف المعاملات وتأخيرات التسوية التي كانت تُجبر المتداولين على التوقف مؤقتاً. وكما كشف انهيار السوق المفاجئ عام 2010، محت حلقات خوارزمية ذاتية التعزيز ما يقرب من تريليون دولار من القيمة السوقية في غضون نصف ساعة تقريباً. وعندها، أدخلت الجهات التنظيمية آليات إيقاف مؤقتة مصطنعة لاستعادة التردد المفقود».

وهناك أيضاً منصات خدمات النقل التشاركي، فقد ألغت هذه المنصات دور الورديات الثابتة، والصفوف في المواقف، والمعرفة المحلية. ثم أصبحت المشكلة هي الارتفاع المفاجئ في الطلب الذي يجذب السائقين بأعداد كبيرة إلى المناطق المزدحمة عبر تطبيقاتها، ما يؤدي أحيانا إلى فائض في العرض، وانهيار في الأسعار و«رحلات فارغة» لنحو 50% من المسافة المقطوعة. ومنذ ذلك الحين، أعادت المنصات فرض إجراءات مثل طوابير المطارات، والأسعار المضمونة بالساعة في مناطق معينة، والخرائط الحرارية التي يتم تحديثها عند التأخير بدلاً من التحديث الفوري.

ويظهر النمط نفسه في قطاع النقل بالسكك الحديد. فقد أسهمت جداول السكك الحديد الدقيقة ومراكز النقل الجوي المكتظة في تعظيم الطاقة الاستيعابية من خلال إلغاء فترات التوقف والاستغناء عن الطواقم الاحتياطية، لكن هذا يعني في الوقت نفسه أن تأخيراً بسبب سوء الأحوال الجوية أو عطلاً في مسار واحد قد ينتشر تأثيره الآن ليشمل الشبكة بأكملها بدلاً من أن يقتصر على نطاق محلي محدد.

إن فترات الركود الاقتصادي قد تكون بمنزلة «عملية تطهير»، فالانكماش الاقتصادي قد يُحفز تغييرات جذرية ويمنع تكوّن الفقاعات المالية الضارة، ما يُتيح نمواً أساسياً أسرع على المدى الطويل. ولذلك، يقول غورو مادهافان: ليست كل قوة مضادة هدراً، فبعضها يحمي الأنظمة من سرعتها المُفرطة. ويوضح: يميل المهندسون إلى اعتبار الاحتكاك سمة تصميمية ويتساءلون عن دلالته. وعلى سبيل المثال، يضيف مُمتص الصدمات وزناً وتعقيداً إلى المركبة، ولكن بدونه، يتفكك نظام التعليق. ويُبطئ التخميد من سرعة الاستجابة بقدر يكفي لتسجيل ردود الفعل قبل تفاقم الخطأ. غالباً ما يغيب هذا التمييز بين الاحتكاك الذي يُعوق التقدم والاحتكاك الذي يُتيح التصحيح الذاتي في السياسات العامة. ونحن بارعون في إزالة النوع الأول، لكننا غالباً ما نغفل عن النوع الثاني.

إن السرعة ستظل إحدى أهم محركات التقدم البشري. ولكن في سعينا لتحقيق الكفاءة، ينبغي ألا نغفل أن القليل من الاحتكاك المُوَجّه جيداً يُمكن أن يساعد في الحفاظ على الأنظمة سريعة الحركة ويبقيها على المسار الصحيح.