سام فليمنج - إيمي بوريت - مايلز ماكورميك
يرى كثير من المحللين أن الهجوم الأمريكي على إيران سيوجه ضربة أقوى للاقتصادات الأوروبية والآسيوية، مقارنةً بالولايات المتحدة نفسها، التي تعتبر محمية جزئياً من آثار الحرب، بفضل قطاع الطاقة المحلي الضخم لديها. وتُظهر الأرقام الرسمية أن الولايات المتحدة تُصدّر الغاز الطبيعي منذ عام 2017، والنفط منذ عام 2020، ما يعني أن قطاع الطاقة لديها سيستفيد من ارتفاع الأسعار، حتى وإن تضررت الأسر الأمريكية بشدة من ارتفاع تكاليف الطاقة.
في المقابل، تواجه الاقتصادات الأوروبية والآسيوية التي تعتمد على واردات الطاقة مخاطر ارتفاع حاد في التضخم، ويعود ذلك جزئياً إلى أن أسعار الغاز الطبيعي في تلك الأسواق أكثر تقلباً من أسعارها في الولايات المتحدة. وقد ارتفعت بالفعل، فضلاً عن أهمية هذا الوقود في أسواق الطاقة المحلية لديها.
وقال جيمس نايتلي من بنك آي إن جي: «الولايات المتحدة محصنة إلى حد كبير، ولكنها ليست بمنأى عن الضرر». وأوضح أن ذلك يعود إلى أن الولايات المتحدة لن تعاني من انقطاعات في إمدادات السلع الأساسية التي ستشهدها دول أخرى.
كما يؤكد ديفيد أيكمان رئيس المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية (Niesr)، أن الجميع سيتضرر، لأن جوهر الأمر هو رفع تكلفة أحد عوامل الإنتاج الرئيسة، لكن سيكون لذلك تأثير متفاوت بين الدول.
لكن كيف ستؤثر أسعار الطاقة المرتفعة في الاقتصادات؟ قفز سعر خام برنت بنحو 30 % الأسبوع الماضي، عقب اندلاع الحرب، بينما أنهت أسعار الغاز الأوروبية الأسبوع بارتفاع نحو الثلثين. وقد نتجت هذه الارتفاعات الكبيرة عن مخاوف من استمرار تعطل الشحنات عبر مضيق هرمز، وهو شريان حيوي لحركة الطاقة، بالإضافة إلى خسائر الإنتاج في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
وإذا استمرت الأسعار المرتفعة طويلاً، فستؤدي إلى ارتفاع التضخم، وتقليص القدرة الشرائية للأسر، والإضرار بنمو الناتج المحلي الإجمالي في اقتصادات العالم. وقد تُضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة لفترة أطول، أو حتى تشديد السياسة النقدية، كما ستواجه الحكومات ضغوطاً مالية إضافية، إذا قررت التدخل في أسواق الطاقة للتخفيف من تأثير ذلك في الناخبين.
وقال تشيان وانغ كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة فانغارد، إن تغيرات أسعار الطاقة تُعد «آلية فعّالة لإعادة توزيع الدخل بين الدول». وسيحصل مُصدّرو النفط على الجزء الأكبر من هذه الزيادة، لكن المستهلكين يميلون إلى خفض إنفاقهم فوراً، كما ستتأثر الأسواق المالية سلباً، وهو ما يعني تراجع الطلب العالمي الإجمالي. وستعتمد شدة هذا التأثير، ليس فقط على مدى ارتفاع الأسعار، بل أيضاً على مدة هذا الارتفاع، والإجراءات التي تتخذها الحكومات لتخفيف العبء عن المستهلكين.
لكن ما هي الاقتصادات التي ستشهد أكبر تأثير لارتفاع أسعار الغاز؟ تجاوز ارتفاع أسعار الغاز الزيادة في أسعار النفط الخام. وسيكون لهذا الأمر تكلفة باهظة على الاقتصادات الأوروبية، مثل إيطاليا وألمانيا والمملكة المتحدة، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز. وتشير دراسة أجرتها مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس على 15 اقتصاداً، إلى أن قفزة تكاليف الطاقة ستترك أثراً بالغاً في إيطاليا، حيث من المتوقع أن يرتفع التضخم في الربع الأخير من هذا العام بأكثر من نقطة مئوية واحدة، مقارنة بالتوقعات السابقة للمؤسسة الاستشارية.
وستشهد منطقة اليورو ككل والمملكة المتحدة ارتفاعاً في التضخم المتوقع بأكثر من نصف نقطة مئوية. وفي المقابل، سيرتفع التضخم في الولايات المتحدة خلال الربع الأخير بنسبة 0.2 نقطة مئوية فقط، بينما ستكون كندا الأقل تأثراً، وفقاً للتحليل.
وتُعدّ الصين والهند وكوريا الجنوبية، من كبار مستوردي النفط والغاز القادم من الخليج، ما يجعلها عرضة للخطر أيضاً. وتستورد الصين، على سبيل المثال، ما بين 70 و75 % من استهلاكها من النفط الخام. ويمر جزء كبير من وارداتها من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز.
مع ذلك، يمكن للصين الاعتماد على مخزوناتها النفطية الضخمة، والضغط على المصافي لتعليق الصادرات لحماية إمداداتها. كما أن بمقدورها اللجوء إلى الواردات الروسية. وأشار تشيان وانغ إلى أن الحكومة الصينية قد تتمكن من التدخل للحد من انتقال تأثير أسعار النفط الخام إلى أسعار البنزين بالتجزئة. كما أن ارتفاع التضخم بشكل طفيف، قد يكون موضع ترحيب في ظل استمرار «الضغوط الانكماشية» في البلاد. كذلك، فإن ارتفاع قيمة الدولار عقب بدء الهجمات الأمريكية، قد يخفف من ضغوط ارتفاع قيمة الرنمينبي.
وقال محللو كابيتال إيكونوميكس، إن كبار مصدري الطاقة، مثل النرويج وكندا، سيشهدون آثاراً «إيجابية واضحة»، حيث سيستفيدون من ارتفاع الأسعار، مع تجنب التهديدات التي تواجه الإنتاج والإيرادات التي يواجهها موردو الشرق الأوسط.
لكن ماذا عن الولايات المتحدة؟ لقد حوّلت ثورة الغاز الصخري الولايات المتحدة إلى قوة عظمى في مجال الطاقة، خلال العقدين الماضيين، ما جعلها أكبر منتج للنفط والغاز في العالم. وهذا يعني أن المنتجين الأمريكيين سيجنون ثمار ارتفاع الأسعار، خاصة إذا طال أمد النزاع، وبقيت الأسعار مرتفعة.
وقد تعرضت الأسهم الأمريكية لضغوط أقل من بعض الأسواق في أوروبا وآسيا منذ بدء النزاع، ما يشير إلى أن بعض المستثمرين يراهنون على تأثير أقل في الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا الشمالية، مقارنة بالاقتصادات الكبرى الأخرى.
ويُوفر هذا الإنتاج الأمريكي المرتفع حماية جزئية للمستهلكين، لا سيما في قطاع الغاز الطبيعي، حيث يتسم السوق العالمي بتجزئة نسبية. لذلك، فإنه بينما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا، لم تشهد الأسعار في الولايات المتحدة سوى ارتفاع طفيف.
ويصف ديفيد أوكسلي من كابيتال إيكونوميكس، الولايات المتحدة بأنها «جزيرة غاز». ويشير إلى أن نقص طاقة تسييل وتصدير الغاز الطبيعي، سيحد من قدرة المنتجين الأمريكيين على تصدير الغاز إلى أسواق أخرى، وهو ما سيساعد على كبح جماح أسعار الغاز الأمريكية.
لكن بالنسبة للنفط، حيث السوق عالمية بدرجة أكبر، من المرجح أن يتعرض المستهلكون الأمريكيون لضغوط. وسجل خام غرب تكساس الوسيط، المعيار الأمريكي لأسعار النفط الخام، الأسبوع الماضي، أكبر ارتفاع أسبوعي له منذ بدء تسجيله عام 1983. وقد أدى ذلك إلى قفزة في أسعار النفط الأمريكية، التي بلغت 3.32 دولارات للجالون يوم الجمعة، وفقاً لجمعية السيارات الأمريكية (AAA)، مقارنة مع 2.98 دولار في الأسبوع السابق، ومسجلةً أعلى مستوى لها منذ عام 2024. كما قفزت أسعار النفط أكثر أمس.
وحذرت غولدمان ساكس من أنه إذا استمرت الأزمة طوال شهر مارس، فمن «المرجح» أن تتجاوز أسعار النفط ذروتها المسجلة عامي 2008 و2022، عندما تجاوز سعر خام برنت 147 دولاراً للبرميل، وتخطى السعر 5 دولارات للجالون.
ويشكل ارتفاع الأسعار خطراً على دونالد ترامب نفسه، حيث يهدد بتفاقم أزمة القدرة على تحمل التكاليف التي تعد أكبر نقطة ضعف لديه أمام الناخبين، قبيل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر. وتُظهر العديد من الدراسات أن ارتفاع أسعار النفط، يُلحق ضرراً بالغاً بالأمريكيين الفقراء، نظراً لأنهم غالباً ما يعملون في وظائف تتطلب سفراً برياً أكثر، وينفقون نسبة أكبر من دخلهم على الوقود.
وماذا يعني ذلك كل بالنسبة للبنوك المركزية؟ تشير كتب الاقتصاد إلى أن محافظي البنوك المركزية يمكنهم «تجاهل» ارتفاع أسعار الطاقة، على أساس أنها تُؤدي إلى ارتفاع مؤقت في أسعار المستهلك، ولكن هذا يتم تعويضه إذا كانت توقعات التضخم لدى الأسر مستقرة. ومن خلال استنزاف ميزانيات الأسر، تُؤدي زيادات تكلفة الطاقة في نهاية المطاف إلى انخفاض الطلب، ما قد يُساعد في كبح التضخم.
ومع ذلك، فإن التجربة الأخيرة لمعدلات التضخم المرتفعة في أعقاب جائحة (كوفيد 19)، واندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية، تعني أن توقعات التضخم لدى الأسر أصبحت أكثر ارتفاعاً في بعض البلدان. وقد سعى العمال إلى الحصول على عروض أجور أعلى خلال هذه الفترة، وأعادت الشركات صياغة استراتيجيات التسعير الخاصة بها.
وهكذا، كما يقول مايكل سوندرز من مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، فإن «الخطة المُحدَّثة» لمحافظي البنوك المركزية، هي أنه في حال حدوث صدمة في أسعار الطاقة «يجب الاستعداد لمواجهة مخاطر ارتفاع توقعات التضخم، واستمراره من خلال تشديد الخطاب النقدي، واتباع سياسة نقدية أكثر صرامة، أو تخفيف السياسة النقدية بشكل أقل مما هو متوقع».
لذلك، فإن المستثمرين الآن لا يرون فقط أن بنك إنجلترا سيُبقي أسعار الفائدة دون تغيير في إعلانه المتوقع في 19 مارس، بل إنهم لم يعودوا يتوقعون خفضاً إضافياً واحداً عن مستوى 3.75 % قبل نهاية العام. وقبل الحرب، كان من المتوقع أن يكون هناك خفضان بمقدار ربع نقطة مئوية هذا العام.
وبالنسبة لمنطقة اليورو، فقد بدأ المستثمرون بالفعل في توقع احتمال رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة، استجابة لتهديد التضخم الجديد، على الرغم من تأكيد صانعي السياسات على أنه من السابق لأوانه استخلاص النتائج.
وفي الولايات المتحدة، أشار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جاي باول، إلى أن البنك المركزي من المرجح أن يُبقي أسعار الفائدة ثابتة على المدى القريب، وهو موقف من المرجح أن يُعززه احتمال حدوث طفرة تضخمية. وتراجعت توقعات خفض أسعار الفائدة بالفعل في سوق العقود الآجلة، حيث يراهن المتداولون على خفض أو خفضين هذا العام، بدلاً من خفضين أو ثلاثة، مع توقع أن يكون أول خفض في سبتمبر، بدلاً من يوليو.
