تجدد مشكلات قطاع الطاقة يكشف مدى العجز الأوروبي

مارتن ساندبو

كشفت الحرب على إيران مجدداً عن مدى عجز الاتحاد الأوروبي، ليس فقط في طريقة التعامل مع الشؤون العالمية، بل أيضاً في الإجراءات الاقتصادية.

لذلك، ستكون تكاليف الطاقة المتصاعدة - مع تضاعف سعر الغاز الطبيعي الأوروبي منذ أدنى مستوياته الأخيرة - هاجساً لقادة الاتحاد الأوروبي عند اجتماعهم في وقت لاحق من الشهر الجاري. وهم قلقون بالفعل من تأثير ارتفاع أسعار الطاقة في الأعمال، ويميلون إلى الحلول قصيرة الأجل، ما يُعرّضهم لخطر ترسيخ هشاشة التكتل بدلاً من الحد منها.

وينبغي ألا تكون هناك حاجة إلى حرب في الشرق الأوسط لتذكير أوروبا بمدى خطورة اعتماد منطقة تفتقر بشدة إلى احتياطيات الهيدروكربونات على إمدادات الوقود الأحفوري الخارجية. ولم يمضِ سوى أربع سنوات منذ أن وجدت أوروبا نفسها في مشكلة كبيرة للطاقة، وذلك عندما أدى تقليص فلاديمير بوتين لإمدادات الغاز إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد يفوق ما هي عليه الآن.

لكن للأسف سرعان ما تحوّل الزخم السياسي الداعم لإزالة الكربون من نظام الطاقة الأوروبي إلى حملات ضغط ضدّ اللوائح المتعلقة بالكربون. وباتت الرواية الأقوى في أوساط مجتمع الأعمال الأوروبي، وبعض أطياف السياسة فيه، متجاوزةً التيار الوسطي اليميني التقليدي، هي أن الإفراط في التنظيم، ومنه ما يتعلق بالمناخ، يعوق «التنافسية» الأوروبية. وقد آتت هذه الحملات المضادة ثمارها.

وفي غضون أشهر قليلة، دفعت خطوات عدة الاتحاد الأوروبي في الاتجاه الخاطئ نحو ترسيخ الاعتماد على الكربون. وإحدى هذه الخطوات كانت إبطاء وتيرة التخلص التدريجي من محركات الاحتراق الداخلي، الضرورية لفطام قطاع النقل عن الوقود الأحفوري. وتؤثر خطوة أخرى في تعريفة الكربون الجديدة للاتحاد الأوروبي، وهي آلية تعديل الكربون الحدودية. ففي ديسمبر، اقترحت المفوضية الأوروبية إعفاء الواردات من هذه الآلية في حالات الطوارئ. وقد يكون هذا بمنزلة بادرة استرضاء للمزارعين، إذ شنت عدة دول أعضاء حملات لإعفاء الأسمدة، لكن إدخال آلية إيقاف التشغيل - ناهيك عن استخدامها، وهو أمر مغرٍ في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة - يُقوّض ربحية الشركات التي استثمرت في الإنتاج المحلي منخفض الكربون، والذي من شأنه أن يجعل أوروبا أقل عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.

والأسوأ من ذلك هو حالة عدم اليقين التي تُخيّم على سوق تداول انبعاثات الكربون في الاتحاد الأوروبي. فالعام الماضي، أرجأ الوزراء توسيع نطاقها ليشمل قطاعات جديدة. وأخيراً، دعا بعض قادة الاتحاد الأوروبي إلى مزيد من التخفيف أو حتى التدخل لخفض الأسعار في النظام القائم. وإبطاء التحول الضروري للأمن والاستقلال أمرٌ بالغ السوء. ويزيد الطين بلة القيام بذلك باسم «التنافسية» الأوروبية. إن المقايضة المزعومة بين إزالة الكربون والازدهار الاقتصادي للاتحاد الأوروبي تجعل إعادة ضبط عملية الانتقال تبدو منطقية: موازنة أولويات الأمن والنمو. لكن الحقيقة هي أن التراجع عن الاعتماد على الوقود الأحفوري يضر بالأعمال بوضوح. فالتراجع يزيد من تأثيرات حالة عدم اليقين، التي هي من صنع الحكومة، على الأسواق. وهذا يُدمر آفاق تلك الشركات التي ينبغي أن ندعمها بقوة: القوى الريادية المستعدة لخلق قيمة من خلال تقليل انكشاف أوروبا الجيوسياسي. ومع الانهيار المتواصل للنظام العالمي، يُعدّ هذا التصرف في أحسن الأحوال حماقة، وفي أسوئها خيانة.

إن علينا أن نتذكر أن هناك درساً إيجابياً من صدمة الطاقة السابقة قبل 4 سنوات. فقد تجاوزت أوروبا الأزمة، إن لم يكن دون أذى، فعلى الأقل بأضرار أقل بكثير مما كان يُخشى. وتمكنت القارة من ترشيد استهلاك الطاقة والتحول إلى مصادر أخرى، ومنها الطاقة المتجددة، بشكل أفضل بكثير مما كان متوقعاً. وكان ذلك بمنزلة دليل على مرونة أوروبا الاقتصادية غير المُعلنة.

والاستنتاج البدهي هو أن إزالة الكربون من نظام الطاقة الأوروبي باتت أكثر ضرورة وأكثر قابلية للتحقيق مما كان يُعتقد سابقاً، لكن بدلاً من ذلك، يبدو أن القادة الأوروبيين يميلون إلى التراجع عن هذه المهمة في محاولة خاطئة لحماية الاقتصاد؛ فهم يميلون إلى الاستماع أكثر للشركات القائمة بدلاً من منافسيها. ويميلون أكثر إلى القطاعات الراسخة بدلاً من القطاعات المبتكرة التي لن توجد - على الأقل على نطاق واسع - إلا في المستقبل. إضافةً إلى ذلك، فهم يميلون إلى الخضوع لضغوط الشركات التي لا تستطيع البقاء دون مساعدة أكثر من الشركات الجديدة التي تنهض لتحل محلها. وهذا أمر طبيعي لأن التدمير الإبداعي لا يجد له - في الغالب - مؤيدين كثيرين.

من الواضح أن أوروبا قادرة على تسريع انتقالها إلى الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة عبر مصادر الطاقة المتجددة. وقد فعلت ذلك قبل أربع سنوات. ولنتخيل لو تم، بالإضافة إلى ذلك، تمويل برنامج واسع النطاق لإنتاج البطاريات بكميات كبيرة وتركيبها في ملايين المنازل الأوروبية: لكانت التقلبات اليومية المتزايدة في أسعار الطاقة - والتي تم التنبؤ بها على نطاق واسع - فرصةً للربح، بدلاً من أن تمثل مشكلة. إن الثقة اللازمة للقيام بالاستثمارات التي تُسرّع هذا الانتقال تتطلب قيادة سياسية حازمة. وإلا فإن أوروبا ستكرر الخطأ نفسه.