سباق جديد نحو القمر يعيد إحياء شغف الاستكشاف البشري

مجلس تحرير «فاينانشال تايمز»

انطلق أربعة رواد فضاء في رحلةٍ فضائيةٍ بسرعة آلاف الكيلومترات في الساعة. وتأتي رحلتهم ضمن برنامج أرتميس 2 حول الجانب البعيد من القمر في سياق منافسةٍ جيوسياسيةٍ حادة، حيث تسعى الولايات المتحدة جاهدة لتحقيق هبوط قمري جديد قبل الصين. لكن النجاح قد يُسهم في إعادة إحياء الحماس الشعبي لاستكشاف الفضاء البشري، وللعلوم والتكنولوجيا بشكلٍ عام.

من غير المرجح أن تُثير هذه المهمة نفس القدر من الاهتمام الذي أثارته نظيرتها في برنامج أبولو، الذي حمل رواد فضاءٍ حول القمر خلال عطلة عيد الميلاد عام 1968 استعداداً لـ«القفزة العملاقة للبشرية» التي قام بها نيل أرمسترونغ في يوليو التالي. لكن خلال الأيام القليلة المقبلة، ستُقدم وكالة ناسا، من خلال فريق العلاقات العامة المُتميز، تغطيةً صوتيةً ومرئيةً مباشرةً من برنامج أرتميس 2 لجمهورٍ عالميٍّ مُتفاعل، بجودةٍ لم تكن لأحد أن يتصورها في عصر أبولو.

ولا ينبغي أن يملأنا هبوط الإنسان على سطح القمر قبل أكثر من خمسين عاماً بشعور «لقد فعلنا هذا الأمر من قبل»، سواء اليوم أو في حال نجاح مهمة أرتميس 4 في الهبوط كما هو مخطط لها عام 2028. بل يمكننا أن نستمتع بروح المغامرة عند العودة في ظل ظروف مختلفة تماماً اليوم. فأقل من

20 % من سكان العالم الحاليين كانوا على قيد الحياة وقت آخر عمليات الهبوط على سطح القمر.

وفي عمليات الهبوط الأولى، سيكمن التشويق في الوصول بسلام واستكشاف سطح القمر. لاحقاً، ووفقاً لخطط ثلاثينيات القرن الحالي، سيتم بناء قواعد قمرية لإقامة بشرية طويلة الأمد، بما في ذلك زيارات السياح الأثرياء. ومن المرجح أن ينشأ «اقتصاد قمري» أولي، يشمل قطاعات البناء والتعدين والاتصالات والضيافة والزراعة. ورغم أن معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تحظر على أي دولة المطالبة بأراضٍ خارج كوكب الأرض أو امتلاكها، إلا أن هناك حاجة ماسة إلى قواعد دولية جديدة لضمان إمكانية القيام بأنشطة مثل البناء واستخراج الموارد دون منافسة شرسة على أراضي القمر.

وبينما يُعدّ التنافس الجيوسياسي القوة الدافعة الرئيسة للولايات المتحدة والصين لإنفاق مليارات الدولارات على مهمات القمر، كما كان الحال خلال سباق الفضاء السوفييتي الأمريكي في ستينيات القرن الماضي، فإن وكالة ناسا اليوم أكثر انفتاحاً على التعاون الدولي، وهو أمرٌ جدير بالثناء. ويلعب الشركاء الأوروبيون واليابانيون والكنديون دوراً أساسياً في برنامج أرتميس. ويتعين على الولايات المتحدة أن تفي بوعد قائد مهمة أرتميس 2، ريد وايزمان، قبل انطلاقها يوم الأربعاء الماضي: «نحن ذاهبون من أجل البشرية جمعاء».

ويتطلع علماء الكواكب إلى تحقيق مكاسب بحثية كبيرة من الرحلات القمرية المستقبلية. إذ سيتمكنون من دراسة القمر بدقة أكبر بكثير مما كان ممكناً خلال زيارات أبولو القصيرة والهبوطات اللاحقة غير المأهولة. ففي غياب الغلاف الجوي، تحافظ تربته وصخوره على سجل شبه نقي لماضي النظام الشمسي، وتحتفظ أدلة على قصف النيازك على مدى مليارات السنين. إضافةً إلى ذلك، يُعدّ الجانب البعيد من القمر، المحمي بشكل دائم من ضوضاء الراديو الأرضية، موقعاً مثالياً لرصد الكون البعيد.

ويرى بعض العلماء والفلكيين أن البشرية ستتمكن قريباً من فعل كل ما تشاء على سطح القمر دون مخاطر وتكاليف إرسال البشر، وذلك باستخدام روبوتات مزودة بتقنيات ذكاء اصطناعي متطورة. ورغم أن الجميع لا يتفقون على أن الآلات ستصل إلى مرونة وقدرة التفكير البشري على التكيف في المستقبل القريب، فإنه لو تحقق ذلك، فإن القيمة الرمزية والمعنوية لإبقاء البشر مشاركين لا تُقدر بثمن، وخاصةً إذا أردنا إلهام الشباب اختيار مسارات مهنية في العلوم والتكنولوجيا. ومن غير المرجح أن تحظى مستعمرات الروبوتات بنفس الجاذبية. عموماً، ينبغي أن ننظر إلى مهمات أرتميس، جزئياً، أنها رحلات ممتعة، بالمعنى الإيجابي للكلمة. ولا يشترط أن تكون أمريكياً لتقول «انطلق يا أرتميس!».