هل الجهات التنظيمية مستعدة لتعميم الذكاء الاصطناعي بمجال التدقيق؟

ستيفن فولي
ألقى فريق القيادة العالمي في شركة إرنست ويونغ «إي واي»، نظرةً خاطفةً أواخر الشهر الماضي على أدوات الذكاء الاصطناعي المتطورة، التي ستُعمم على أعمال التدقيق. 

وعرض خبراء التكنولوجيا في الشركة منصة التدقيق «إي واي كانفاس» المُطوّرة، والتي تتضمن ميزات تُسرّع بشكلٍ كبير عملية تقييم مخاطر الشركات المستخدمة في تخطيط التدقيق، وتُرسل تنبيهات للموظفين أثناء عملهم، وفقاً للإرشادات المحاسبية ذات الصلة.

وتؤكد «إي واي» أنه مع إطلاق تحديث «كانفاس» خلال الشهر الجاري، لن يكون عمل التدقيق أسرع فحسب، بل سيكون أكثر شمولاً، وأكثر قدرةً على كشف الاحتيال، وضمان دقة البيانات المالية التي تعتمد عليها أسواق رأس المال.

ويُعدّ هذا التقدم الكبير الأحدث في سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي بين شركات التدقيق الأربع الكبرى. وقد قامت شركة «كي بي إم جي» بدمج العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي في منصة التدقيق «كلارا» الخاصة بها، وأعلنت الأسبوع الماضي أنها تُجري تجربةً لوكلاء «التنسيق» القادرين على تنسيق عمل أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى. والفكرة تتلخص في أنه بينما تتولى الروبوتات المهام الروتينية للتدقيق، يمكن للموظفين التركيز على القضايا الأكثر تعقيداً، والتي تتطلب تقديراً وتدخلاً شخصياً.

يشير تسارع وتيرة التغيير إلى أن فوائد حقيقية لجودة التدقيق باتت وشيكة، لكن كما يعلم أي شخص تعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فإن الذكاء الاصطناعي يخلق أيضاً فئة جديدة من المشاكل المحتملة. وقد تكلف إخفاقات التدقيق المستثمرين مليارات الدولارات. لذا، يبرز سؤال مُلح: هل يواكب المنظمون هذا التطور؟

وبينما كان مسؤولو تكنولوجيا التدقيق في شركة «إي واي» يعرضون منصتهم الجديدة، كان مجلس التقارير المالية في المملكة المتحدة يضع اللمسات الأخيرة على ما وصفه بأنه أول دليل إرشادي منشور لشركات التدقيق حول استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي الفاعل. ويتميز إطار عمل مجلس التقارير المالية ببساطته، حيث يحدد ثلاث طرق قد يتسبب بها الذكاء الاصطناعي في فشل عملية التدقيق:

-أولاً، قد تكون مخرجات أداة الذكاء الاصطناعي خاطئة، إما بسبب خلل في المدخلات أو في النموذج نفسه.

-ثانياً، قد يُساء تفسير المخرجات.

-ثالثاً، قد لا يؤدي الذكاء الاصطناعي العمل الكافي للوفاء بالمعايير المطلوبة من المدقق البشري.

لذا، يتعين على شركات التدقيق وضع آليات للتحقق من كل من المخاطر الثلاثة، والتخفيف من حدتها. وصرّح مارك بابينغتون المدير التنفيذي للمعايير التنظيمية في مجلس التقارير المالية، لصحيفة فاينانشال تايمز قائلاً: «لا يمكن إلقاء اللوم على الجهاز نفسه. فإذا استخدمت هذه التقنية، فأنت لا تزال مسؤولاً عنها».

ويثير ذلك، بطبيعة الحال، تساؤلات أخرى، مثل: ما نوع التخفيف الفعال للمخاطر؟ وما القدر الكافي من التحقق من عمل النماذج؟ وقد قدّم مجلس التقارير المالية بعض الأمثلة التوضيحية، لكن الجهات التنظيمية لا تزال بعيدة عن تقنين الأمور. ويجب أن تتغير الإجابة الصحيحة بوتيرة سريعة، تواكب تطور التكنولوجيا.

وما تأمل شركات التدقيق تجنبه، هو وجود تنظيمات صارمة للغاية، تعيق الابتكار الذي يُحسّن الجودة. وحتى الآن، لا يبدو أن هذه الشركات قد واجهت أي عوائق، حتى في الولايات المتحدة، حيث قد تكون المعايير أقل استناداً إلى المبادئ، وأكثر توجيهاً. وقد وُضعت معظم القواعد عندما كان يُفترض أن يقوم المدققون بأخذ عينات عشوائية من معاملات العملاء، لكن الشركات الآن تقوم بفحص جميع البيانات بشكل روتيني، وتركز على أي شيء يبدو شاذاً.

وفي الوقت الراهن، تقتصر شكاوى شركات المحاسبة على أن المعايير غالباً ما تنص على ضرورة قيام «شخص» بمهمة ما، بينما يمكن في الواقع إنجازها بواسطة الذكاء الاصطناعي، مع مراجعة بشرية للعمل. وتسعى هذه الشركات إلى تجنب خطر تعرضها للمساءلة من قبل جهات تنظيمية متشددة.

فهل ثمة سبلٌ تمكّن الجهات التنظيمية من تشجيع الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي بشكل استباقي؟ قدّمت فرقة عمل أنشأها مجلس الإشراف على محاسبة الشركات العامة الأمريكي، مجموعة من المقترحات في عام 2024، لكن لم يتم نشرها إلا في أواخر العام الماضي.

وتضمنت هذه المقترحات أوراق عمل تدقيق موحدة أكثر صرامة، لتمكين استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية أكبر في المراجعات الداخلية والخارجية. كما أشارت إلى نهج مجلس التقارير المالية، واقترحت أن تكون توجيهات الجهات التنظيمية «تكرارية وغير ملزمة»، أي قابلة للمراجعة السريعة مع تطور التكنولوجيا.

سيكون الحوار الوثيق بين الجهات التنظيمية والجهات الخاضعة للتنظيم أمراً ضرورياً، حيث يسعى كلا الطرفين إلى تحديد مسارهما المستقبلي.

ولعلّ الأولوية القصوى هي ضمان تكافؤ الفرص بين الجهات التنظيمية والجهات الخاضعة للتنظيم. وقال رئيس مجلس مراقبة محاسبة الشركات العامة الجديد، المدقق السابق في شركة إرنست ويونغ، جيم لوغوثيتيس، في تصريحات له الأسبوع الماضي، إن المجلس بحاجة إلى «تعزيز قدراتها التكنولوجية» و«الاستثمار في تدريب وتطوير الموظفين».

وقد ورث جيم لوغوثيتيس وكالةً خفّضت إدارة ترامب ميزانيتها، وهي الآن بصدد مراجعة رواتب موظفيها. وسيحتاج المجلس إلى اتخاذ خطوات استباقية سريعة، شأنه شأن الهيئات التنظيمية في جميع أنحاء العالم، حتى لا يتخلف كثيراً عن الشركات التي من المفترض أن يشرف عليها.