إيان هارنيت
أصبح السؤال عن مدى القدرة على استمرار السوق الصاعدة الحالية يمثل علامة استفهام جوهرية تؤرق المستثمرين، خاصة في ظل موجات التقلب الأخيرة التي تشهدها الأسواق المالية.
ورغم أن هذا التساؤل يبدو بسيطاً في ظاهره، إلا أنه يظل واحداً من أصعب الأسئلة الاستراتيجية التي يمكن الإجابة عنها حالياً.
فقد حققت السوق الصاعدة الحالية عوائد استثنائية ضخمة على مدار سنوات عدة، حيث سجلت الأسهم الأمريكية مكاسب تجاوزت 100% منذ أكتوبر 2023.
ورغم حدوث تراجعات قصيرة الأجل خلال ذلك العام وخلال فترة الجائحة، إلا أن المشهد العام يشير إلى تضاعف الأسعار بمقدار عشرة أمثال منذ نهاية الأزمة المالية العالمية عام 2009.
وتقف وراء المكاسب الأخيرة قوى رئيسية تتمثل في الأرباح القوية والقياسية التي تولدت نتيجة بزوغ تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهورها، إلى جانب وجود بيئة مواتية وهادئة للسياسة النقدية.
وبالنظر إلى التوقعات التي تشير إلى نمو أرباح الشركات الأمريكية بنسبة 21% في العام المقبل، واستناداً إلى الأنماط التاريخية السابقة، فقد كان من المتوقع أن يقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بمعدلات أعلى بكثير مما هو مسعر حالياً في الأسواق.
وإذا استمر الفيدرالي تحت قيادة رئيسه الجديد كيفين وارش في سياسة التمهل والتحرك خلف منحنى التضخم، فإن ذلك سيعطي مساحة كافية لاستمرار صعود السوق على المدى القصير.
وقد دفع هذا الحماس المفرط تجاه الأسهم الأمريكية التقييم إلى مناطق قياسية ومبالغ فيها؛ إذ تُقوَّم السوق حالياً بمضاعف ربحية يبلغ 28 مرة ونصف المرة تقريباً للأرباح المحققة، وهو ما يزيد بنسبة 40% على المتوسط المسجل على مدار الأربعين عاماً الماضية.
وإذا نظرنا إلى الأرباح المعدلة دورياً والمحتسبة على مدار 10 سنوات، نجد أن السوق تُقوَّم بمضاعف يصل إلى 41 مرة، أي أعلى من المعدل الطبيعي بنسبة 60%.
وحتى مع وضع توقعات متفائلة للأرباح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الحسبان، فإن مضاعف الربحية المستقبلي في السوق الأمريكية يبلغ 20 مرة لعائد السهم الواحد، وهو ما يتجاوز المتوسطات التاريخية بنحو 25%.
وينعكس حجم هذا الصعود بوضوح في مؤشرات تقييم أخرى، مثل نسب السعر إلى التدفقات النقدية والسعر إلى القيمة الدفترية.
ورغم أن مشاهدة مثل هذه التقييمات المرتفعة نادراً ما تمت في التاريخ، فإن وجودها يعد شرطاً ضرورياً لكنه ليس كافياً لحدوث انعكاس كبير في اتجاه السوق؛ إذ يتطلب كسر هذا الزخم القوي حدوث تحول جذري وشامل في النظرة المستقبلية للأسواق تجاه أسعار الفائدة، ومسار الأرباح، وأسهم شركات الذكاء الاصطناعي.
ومن المثير للدهشة أن حرب إيران الأخيرة لم تنجح في إحداث تلك الصدمة المطلوبة في الأسواق؛ فلم تكن ارتفاعات أسعار النفط ضخمة أو مستدامة بالقدر الكافي الذي يُلحق ضرراً بآفاق النشاط الاقتصادي الشامل، أو يدفع بتوقعات أسعار الفائدة إلى مستويات أعلى بكثير.
وحتى عند ذروة الارتفاعات الأخيرة، لم تزد أسعار النفط إلا بنسبة 63%، مقارنة بقفزة بلغت 100% عام 1990، وصعود صاروخي شارف على 300% خلال أزمة عامي 1973 و1974.
ويتساءل بعض المستثمرين عن مستوى أسعار الفائدة الأمريكية الذي يمكن أن يؤدي لكسر هذه السوق الصاعدة، والواقع أننا لا نرى مستوى مستهدفاً أو رقماً معيناً للفائدة يمكنه أن يربك الحسابات، وكما يقول المثل الدارج في أروقة البورصة العالمية: «الأسواق الصاعدة لا تموت بسبب تقدمها في السن، بل تموت قتلاً».
وتشير الشواهد التاريخية إلى أن كل قمة كبرى للأسواق الصاعدة خلال الأعوام الـ125 الماضية سبقتها قفزة حادة ومتسارعة في أسعار الفائدة الرسمية.
غير أن التراجعات الحادة التي أعقبت مستويات التقييم القياسية في أعوام 1907 و1929 و1973 و2000 كانت مدفوعة بصدمات قوية في السياسة النقدية، إذ ارتفعت أسعار الفائدة آنذاك بما راوح بين نقطتين وأربع نقاط مئوية كاملة، لا بنصف نقطة مئوية فحسب كما تسعّر أسواق العقود الآجلة حالياً.
ولكي تصل هذه السوق الصاعدة إلى نهايتها المحتومة يجب أن تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي؛ وحتى الآن لا تزال أرباح هذا القطاع قوية ومبيعاته تسير بمعدلات صحية وممتازة، وإن كان الكثير من المستثمرين قد بدؤوا يشعرون بالقلق والتوجس إزاء ضخامة حجم الإنفاق الرأسمالي لبناء بنية الذكاء الاصطناعي، وتأثير ذلك على التدفقات النقدية للشركات العملاقة المسؤولة عن مراكز البيانات الضخمة.
ولا تزال رغبة المستثمرين وقدرتهم التمويلية على دعم شركات رائدة مثل «أنثروبيك» و«أوپن إيه آي» و«سبيس إكس» قوية للغاية؛ وحتى لو أقدمت هذه الشركات مجتمعة على جمع 200 مليار دولار في طروحاتها العامة الأولية، فإن المستثمرين الأفراد في الولايات المتحدة يمتلكون سيولة نقدية متاحة للاستثمار تبلغ تريليونين وثلاثمائة مليار دولار وفقاً لبيانات الاحتياطي الفيدرالي، في حين تمتلك المؤسسات والصناديق الأمريكية ستة تريليونات دولار أخرى، ما يشير إلى توفر الأموال والسيولة الكافية لاستيعاب هذه الطروحات الضخمة دون حدوث اضطرابات كبرى ومفاجئة في بنية السوق.
أما السبب الآخر للقلق فهو التوقعات التي تشير إلى أن الإنفاق الرأسمالي لشركات الذكاء الاصطناعي العملاقة سيصل إلى تريليونين ونصف مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، ما قد يخلق ضغوطاً حادة على تدفقاتها النقدية.
والدرس الأبرز والمستفاد من نهاية فقاعة تكنولوجيا الإنترنت «الدوت كوم» يخبرنا بأن الخطر الحقيقي سيأتي عادة من تدهور التدفقات النقدية للعملاء المحتملين بقطاع الذكاء الاصطناعي وليس من الشركات نفسها؛ لذا يجب على المستثمرين توجيه البوصلة نحو رصد أي تباطؤ في أرباح وتدفقات القطاعات التي يتوقع أن تكون مستخدماً كثيفاً لتقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل القطاعات المالية، والمصانع، والنقل، والتعليم، والرعاية الصحية.
المفتاح الحقيقي والفيصل لإسدال الستار على هذه السوق الصاعدة سيتثمل في زيادات متتالية لأسعار الفائدة بحجم ونطاق يهدد أرباح الشركات والتدفقات النقدية على مستوى الاقتصاد الكلي الشامل.
وحتى يقع ذلك فمن المرجح أن يستمر هذا الصعود المدفوع بالذكاء الاصطناعي في فرض نفسه على المشهد.
وعليه يمكن القول إننا ربما نعيش اليوم في الفصول الختامية من اللعبة، ولكننا لم نصل بعد إلى نهاية المطاف.