هكذا يمكن أن نجعل الذكاء الاصطناعي آمناً للجميع

سام ألتمان
شاركت قبل أسبوعين في قمة مجموعة السبع بفرنسا، إلى جانب قادة كبرى الدول الديمقراطية في العالم ونخبة من قادة قطاع الذكاء الاصطناعي.

وتمحورت نقاشاتنا حول ضرورة صياغة إطار عمل عالمي لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، يشمل وضع معايير واختبارات للسلامة، ويضمن في الوقت نفسه وصول المجتمعات حول العالم إلى المنافع الهائلة التي تعد بها هذه التكنولوجيا.

وتبدو هذه النقاشات اليوم أكثر أهمية وإلحاحاً من أي وقت مضى، فلن يكون بمقدور العالم جني ثمار الذكاء الاصطناعي ما لم نتحرك بجدية لمواجهة التهديدات الحقيقية والملحة التي تحيط بسلامته.

فتحديد معايير الأمان يُعد شرطاً أساسياً قبل نشر هذه التقنية على نطاق واسع. بل لقد أصبحت صياغة هذه الحلول مسؤولية حتمية على الشركات التي تسعى اليوم لبناء الذكاء الاصطناعي العام.

ومن هذا المنطلق، أود اقتراح إنشاء منتدى دولي تقوده الولايات المتحدة، يتولى وضع معايير معتمدة للسلامة، ويقدم تحليلات متخصصة ومحايدة حول القدرات والمخاطر، مع إتاحة التقنية للدول والشركات التي تشارك في هذا المنتدى وتلتزم بقواعده.

ويمكن أن يضم هذا الكيان ممثلين حكوميين وخبراء تقنيين مستقلين وغيرهم، كما يمكن لهذا الكيان العمل كآلية حوكمة للمختبرات المطورة، بما يضمن تحصينها ضد الضغوط التجارية التي قد تدفع نحو سباق غير آمن للأنظمة الأكثر تطوراً.

فكل الدول، بمواطنيها وقطاعاتها الاقتصادية، تستحق الوصول إلى هذه التكنولوجيا. وفي المقابل، يجب أن يحرص العالم بأكمله على ضمان الالتزام بالمعايير التي تحمينا جميعاً، ﻷن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل أي طرف قد تخلف أضراراً جسيمة.

ويمكنني هنا تصور إطار عمل فعّال، تكتسب فيه الدول عضويتها عبر التزامها بالقواعد التي يقرها هذا المنتدى الدولي، بينما تخضع الشركات داخل تلك الدول لعمليات تدقيق واعتماد دورية، بما يضمن لها وصولاً سلساً وموثوقاً إلى الأنظمة المتقدمة.

وهذا المسار من التعاون الدولي يبدو منطقياً للحيلولة دون تركيز القوة في يد قلة، ولضمان دمقرطة منافع الذكاء الاصطناعي ونشرها العادل.

واليوم، نرى بالفعل أنظمة كانت تصنف حتى أمد قريب في خانة الخيال العلمي، يجري تبنيها وتطبيقها في الشركات والحكومات حول العالم. وأصبحت الشواهد واضحة على القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، وأهميته البالغة للأمن القومي، ودوره في تسريع وتيرة الاكتشافات العلمية.

ونحن نتوقع خلال عام أو عامين أن ننجح في بناء أنظمة ذات قدرات مذهلة، بوسعها تقديم قيمة هائلة للعالم. وسيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الظروف المادية للحياة البشرية على نطاق لم تحققه أي تكنولوجيا أخرى منذ ترويض الكهرباء، وربما يتجاوز ذلك بكثير.

وينبغي لكل إنسان على وجه الأرض أن يستفيد من هذه الطفرة، وأن يمتلك القدرة على تحديد كيفية توظيفها بالشكل الأمثل؛ ليس فقط لتحقيق العوائد الاقتصادية الملائمة لمجتمعه، بل لتعزيز الحرية الشخصية والتحكم في مصيره عبر استخدام هذه التقنية مباشرة في مسارات إبداعية جديدة.

لكن، في حالة التخلف عن إرساء معايير سلامة عالمية، فإن فرض قيود صارمة على الذكاء الاصطناعي ربما من خلال إجراءات أحادية تتخذها كل دولة على حدة، سيكون هو الخيار الوحيد المتاح.

وهناك سوابق تاريخية ناجحة يمكننا الاسترشاد بها في هذا الصدد؛ مثل معايير سلامة الطيران المدني، والقواعد المالية العالمية، والجهود الدولية لإدارة الطاقة الذرية عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لقد كان هذا التعاون ممكناً حتى في فترات الاضطراب الدولي الحاد، فالوكالة الدولية للطاقة الذرية، على سبيل المثال، أبصرت النور في أوج الأيام الأولى للحرب الباردة.

ولقد لمست شخصياً زخماً حقيقياً وتفاعلاً جاداً حول هذا المفهوم خلال قمة مجموعة السبع، ولعل الدول المشاركة هناك تشكل نقطة انطلاق مثالية لتأسيس هذا الكيان.

ويجب ألا تتنازل المؤسسات الديمقراطية عن مسؤولياتها لصالح مختبرات الذكاء الاصطناعي. فالمختبرات هي من يطوّر التكنولوجيا، لكنّ المواطنين وممثليهم المنتخبين هم من يجب أن يضعوا القوانين. ويجب صياغة القرارات المصيرية المتعلقة بكيفية استخدام هذه التقنية عبر القنوات والعمليات الديمقراطية، وليس بقرارات تتخذها حفنة من الشركات في سان فرانسيسكو.

إننا نقف اليوم أمام تكنولوجيا تنطوي على عجائب هائلة ومستمرة في التكشف؛ تملك القدرة على شفاء المرضى، واكتشاف العلاجات، وتحقيق الوفرة على نحو لم يعرفه العالم من قبل. وكل ما نحتاجه الآن هو إيجاد مسار يبني من خلاله العالم الثقة في هذه التكنولوجيا، لنتمكن جميعاً من تقاسم ثمارها ومنافعها.