لماذا تتراجع أسهم الرقائق رغم طفرة الذكاء الاصطناعي؟

سايمون إدلستن
مدير صناديق استثمارية في شركة «جوشوك» لإدارة الأصول

خلال الأسبوعين الماضيين، أعلنت أكبر شركات تصنيع رقائق الذاكرة في العالم نتائج مالية استثنائية، لكن أسهمها تعرضت في الوقت نفسه لهبوط حاد، فما الذي يحدث؟ في يوم الثلاثاء، توقعت شركة سامسونج، أكبر شركة في كوريا الجنوبية، أن ترتفع أرباحها في الربع الثاني بمقدار 19 ضعفاً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ليس 19 %، بل 19 مرة كاملة.

ورغم ذلك، هبط سهم الشركة بنسبة 10 %.

وتشكل «سامسونج» و«إس كيه هاينكس» الكوريتان معاً نحو 16 % من مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق الناشئة، بينما تمثل شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (TSMC) نحو 15 % أخرى.

وربما لا يدرك كثير من المستثمرين في هذا المؤشر أن نحو ثلث وزنه يعتمد فعلياً على ثلاث شركات مترابطة تعمل في قطاع الرقائق.

وقبل أسبوع من ذلك، أعلنت شركة ميكرون الأمريكية ارتفاع أرباحها الفصلية بمقدار 15 ضعفاً.

وقفز السهم بداية بنحو 15 % ليصل إلى 1240 دولاراً، معوضاً تراجعاً مماثلاً سبق إعلان النتائج. لكن بعد أسبوعين فقط، كان السهم قد انخفض إلى 948 دولاراً.

وقد يبدو هذا الأمر غير عادل؛ فكيف تكافأ الشركات التي تعلن أرباحاً قياسية بانخفاض أسعار أسهمها؟ لكن على المستثمرين أن يدركوا أن بعض القطاعات معروفة بسلوكها المتقلب والمناقض للتوقعات.

يعرف قطاع أشباه الموصلات بأنه من أكثر القطاعات دورية. ففترات الازدهار تتبعها غالباً فترات انكماش حادة.

وقد حاول سانجاي ميهروترا، الرئيس التنفيذي لشركة ميكرون، الإقناع بأن هذه الدورة التقليدية انتهت بفضل الطفرة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في الطلب على رقائق الذاكرة المتطورة.

إلا أن الأسواق لا تبدو مقتنعة بذلك حتى الآن.

وبالنظر إلى أداء سهم ميكرون خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، تتضح الطبيعة الدورية للقطاع.

فقد كانت أفضل أوقات شراء السهم في فبراير 2016 عندما كان سعره 10 دولارات، وفي مايو 2019 عند 32 دولاراً، وفي ديسمبر 2022 عند 52 دولاراً.

وفي عامي 2016 و2022 كانت الأرباح المتوقعة للعام التالي سلبية، ما جعل مضاعف الربحية غير قابل للحساب عملياً. أما في 2019 فكان مضاعف الربحية يبلغ 13 مرة.

في المقابل، كانت أفضل أوقات البيع في مايو 2018 عندما بلغ السهم 57 دولاراً وكان يتداول عند مضاعف ربحية يبلغ 4.6 مرات فقط، وفي ديسمبر 2021 عندما وصل إلى 91 دولاراً عند مضاعف ربحية 11.6 مرة.

بعبارة أخرى، تبدو الأسهم الرخيصة وفق مقاييس التقييم التقليدية في الوقت الذي يكون فيه المستثمرون مطالبين بالبيع، بينما تبدو مرتفعة الثمن أو حتى بلا مضاعف ربحية واضح عندما تكون فرصة الشراء الأفضل.

ورغم أن هذا يبدو مخالفاً للمنطق، فإنه في الواقع منطقي للغاية. فأرباح الشركات الدورية تبلغ ذروتها قبل أن تبدأ بالتراجع، ما يجعل مضاعفات الربحية تبدو منخفضة للغاية.

لكن عندما تبدأ الأرباح بالانخفاض أو تتحول إلى خسائر، يرتفع مضاعف الربحية أو يفقد معناه تماماً.

ولا يقتصر هذا النمط على قطاع الرقائق، بل يظهر أيضاً في صناعات مثل الأسمنت. ففي هذا القطاع تكون القوة السوقية للشركات محلية أكثر منها عالمية، نظراً لارتفاع تكاليف النقل.

لكن شركات الأسمنت غالباً ما تبني طاقات إنتاجية ضخمة عندما تكون الأسعار مرتفعة، لتجد نفسها لاحقاً أمام فائض إنتاج مكلف عندما تنقلب الدورة الاقتصادية. ويحمل قطاع الرقائق السمعة نفسها، خصوصاً في مجال رقائق الذاكرة.

ففي منتصف العقد الأول من الألفية، شهدت صناعة ذاكرة «الفلاش» فائضاً كبيراً في الإنتاج بعد طفرة الطلب الناتجة عن انتشار الهواتف الذكية والكاميرات الرقمية.

وانخفضت الأسعار إلى مستويات جعلتها أرخص من رقائق «دي رام» التقليدية المستخدمة في الحواسيب، رغم أن «دي رام» أقل سرعة وأكثر قدماً من الناحية التقنية.

وكان ينظر إلى سامسونج آنذاك على أنها أحد أبرز المساهمين في زيادة الطاقة الإنتاجية المفرطة، ربما سعياً وراء توسيع المبيعات حتى على حساب هوامش الربح.

في الوقت الحالي، جمعت شركة «إس كيه هاينكس» نحو 28 مليار دولار عبر طرح أسهمها في السوق الأمريكية من خلال برنامج إيصالات الإيداع الأمريكية، وهو شكل من أشكال الإدراج الخارجي يسهل امتلاك أسهم الشركة من قبل المستثمرين الأمريكيين.

والهدف من هذه الأموال هو تمويل توسعات ضخمة في الطاقة الإنتاجية، وهو ما يثير ذكريات الدورات السابقة في قطاع رقائق الذاكرة. وهناك نقطة أخرى لافتة في تقرير ميكرون وحساباتها المالية. فقد اختارت الشركة شهر سبتمبر موعداً لنهاية سنتها المالية، بينما تفضل معظم الشركات شهر ديسمبر.

ويثير هذا الاختيار تساؤلات، لأنه يجعل الوضع المالي للشركة يبدو في أفضل حالاته. فمعظم المنتجات الإلكترونية الأمريكية التي تستخدم هذه الرقائق تباع خلال موسم التسوق المرتبط بعيد الشكر وعروض «الجمعة السوداء».

وتكون ميكرون قد شحنت جزءاً كبيراً من مخزونها إلى الشركات المصنعة قبل هذه الفترة بوقت كاف.

وبالتالي، تعكس بياناتها المالية مستويات مخزون أقل ونقدية أعلى ورأس مال عامل أقل مقارنة بما تكون عليه الأوضاع خلال بقية العام.

وبالنسبة لشركة تعمل في صناعة شديدة الدورية، فإن ذلك قد يعني أن مستوى المخاطر الحقيقي أعلى مما يبدو للوهلة الأولى. فالاعتماد على التمويل والرافعة المالية يجعل فترات الازدهار تبدو أكثر إشراقاً، لكنه يجعل فترات التراجع أكثر قسوة.

إلى أين تتجه هذه الأسهم من هنا؟

لا يمكن تقديم توقعات حاسمة. فإذا استمرت طفرة الذكاء الاصطناعي لسنوات طويلة، فقد تستفيد شركات رقائق الذاكرة عالية الأداء لفترة أطول من المعتاد، وقد تكون الاستثمارات الحالية في زيادة الطاقة الإنتاجية مبررة.

أما إذا فشل المشترون النهائيون لهذه الرقائق، أي شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة ومشغلو مراكز البيانات الضخمة، في تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف هذه الاستثمارات الهائلة، فقد تتحول الطفرة الحالية إلى ركود جديد.

فالنمو القوي في إيرادات الذكاء الاصطناعي أمر متوقع، لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان هذا النمو سيكون قوياً بما يكفي لتسديد الفواتير الضخمة التي تتطلبها البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.