الأقمار الاصطناعية إحدى «وسائل استقلال» الاتحاد الأوروبي

ماتيوش شتشوريك.. وزير مالية بولندا الأسبق

تخوض أوروبا اليوم نقاشين منفصلين في غرفتين متباعدتين، وكان يمكن أن تحقق تقدماً أسرع لو أدركت أنّ كليهما يدوران حول المشكلة اﻷساسية نفسها.

في الغرفة الأولى، يناقش علماء الاقتصاد كيفية ابتكار «أداة دين آمنة وموحدة» للاتحاد الأوروبي، تكون بمثابة مخزون عميق من الديون السائلة عالية الجودة، لترسيخ المحافظ الاستثمارية وتعزيز الدور الدولي للعملة الأوروبية الموحدة (اليورو).

وقد طرحت أفكار ذكية ومتنوعة في هذا الصدد، تراوحت بين «السندات الزرقاء» التي تصدرها منطقة اليورو بشكل مشترك، و«السندات الأوروبية الآمنة» التي تعيد تغليف حزم الديون السيادية للدول الأعضاء، وصولاً إلى المقترح الأخير لإصدار سندات أوروبية مشتركة «يورو بوندز».

إلا أن كل هذه الأفكار تصطدم دائماً بالصخرة الصلبة نفسها؛ فالسندات تحتاج إلى مصدر مضمون للسداد، ولم يفلح الاتحاد الأوروبي يوماً في الاتفاق على موارد مشتركة توفر هذا المصدر.

وفي الغرفة الثانية، يبحث مسؤولو الدفاع كيفية تمويل شبكات الاتصالات والمراقبة المرنة. وهي مشاريع لا تقوى أي دولة عضو بمفردها على تشييدها بالنطاق المطلوب، ما يبقي القارة العجوز رهن التبعية للولايات المتحدة.

وجاء الرد الأبرز للاتحاد الأوروبي متمثلاً في برنامج «سيف» «Safe» بقيمة 150 مليار يورو، والذي يقدم قروضاً للعواصم الأوروبية لشراء معداتها الخاصة.

ورغم أن هذا البرنامج يتميز بزيادة حجم السندات الأوروبية المتداولة، إلا أنه يهدد بترسيخ حالة التشرذم في مشتريات الدفاع. فالقارة الأوروبية تنشر اليوم في الميدان 12 نوعاً من دبابات القتال الرئيسية، مقابل نوع واحد فقط في أمريكا.

وتفتقر السندات الآمنة إلى مصدر للسداد، في الوقت نفسه تفتقر المنافع العامة إلى مالك مشترك.

وهنا يمكن لأداة مالية واحدة أن تضرب العصفورين بحجر واحد. أن يقترض الاتحاد الأوروبي لبناء وامتلاك محفظة من الأصول الإستراتيجية بشكل مباشر، ثم يسترد التكلفة عبر فرض رسوم مقابل استخدامها.

وللبدء في هذا المسار، يبرز قطاع الفضاء كأفضل نقطة انطلاق، لأن أوروبا تطبق هذا النموذج بالفعل. فنظام الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية «جاليلو» مملوك بالكامل للاتحاد الأوروبي، كما أن شبكة الأقمار الاصطناعية الجديدة «إيريس 2» يتم بناؤها وإدارتها تحت إشراف أوروبي مباشر مع وجود ذراع تجارية مرافقة لها.

هذا الإطار القانوني راسخ منذ زمن؛ فبموجب لوائح برنامج الفضاء الموحد، يمتلك الاتحاد الأوروبي الأقمار الاصطناعية والمحطات الأرضية بالكامل.

والخطوة المنطقية التالية هي توسيع هذا النموذج ليشمل محفظة متكاملة من القدرات الإستراتيجية، مثل الاتصالات، والتصوير الراداري لجميع أحوال الطقس، ومنظومات الإنذار المبكر الفضائية.

وبموجب هذا الطرح، يصدر الاتحاد الأوروبي سندات طويلة الأجل ذات تصنيف ائتماني ممتاز (AAA) وتقتصر على دفع الفوائد فقط، وبسعر الفائدة الذي يدفعه الاتحاد حالياً، والذي يزيد بنحو نصف نقطة مئوية عن عائدات السندات الحكومية الألمانية.

وفي المقابل، تدفع الدول الأعضاء رسوماً لقاء الحصول على حق الوصول المضمون لهذه الخدمات، على غرار ما تفعله حالياً مع خدمات الأقمار الاصطناعية، مع إتاحة بيع السعة الفائضة تجارياً.

وبحسب تقديرات متحفظة، فإن برنامجاً فضائياً بقيمة 20 مليار يورو يمكنه توليد إيرادات كافية لتغطية مدفوعات فوائده بمعدل 5 مرات تقريباً، مع تحقيق فائض سنوي يقارب 2.8 مليار يورو. وبذلك، يصبح الدين مدعوماً بتدفقات نقدية ناتجة عن أصول عامة إنتاجية، وهو ما تفتقر إليه السندات الأوروبية التقليدية، ما يمنحه جاذبية استثمارية ومالية أقوى.

ولأن هذا المشروع يمول نفسه بنفسه، فإنه يتفادى إحدى العقبات الكبرى التي تعرقل الدفاع الأوروبي؛ والمتمثلة في محاولة إقناع العواصم المترددة في تمويل أمن «دول أخرى».

فلا وجود هنا لعمليات تحويل أموال بين الدول، ولا تبعات مالية محتملة على الدول الممتنعة، ولا حاجة لإبرام صفقات تتطلب إجماعاً سياسياً معقداً.

ويمكن لمجموعة من الدول الشريكة والراغبة أن تشكل النواة الصلبة للمشروع، تماماً كما تفعل اليوم مع مشروع «إيريس 2».

بل إن الرياح التجارية تهب في صالح هذا التوجه؛ فمع تزايد الشكوك حول موثوقية الأنظمة الأمريكية والصينية، فإن خدمة أوروبية تعمل تحت مظلة حوكمة شفافة وقائمة على القواعد القانونية سيمثل نقطة جذب قوية للدول الشريكة والمحايدة على حد سواء.

بالتأكيد، لا يخلو هذا المسار من تكاليف أو مخاطر؛ فالإيرادات التجارية المتوقعة في أوروبا تظل أقل من تلك التي يحققها نظام أقمار «ستارلينك» التابع لإيلون ماسك، كما أن قوانين المنافسة ستضع قيوداً على الأسعار، فضلاً عن أن الأقمار الاصطناعية ذات المدار المنخفض تتطلب الاستبدال كل بضع سنوات.

غير أن تصميم البرنامج كفيل باستيعاب هذه التحديات، إذ سيتم تمويل عمليات الاستبدال كأولوية قصوى قبل سداد أي عوائد على السندات.

ويمكن النظر إلى هذا الأصل الإستراتيجي باعتباره امتيازاً تجارياً مدراً للأرباح، مدعوماً بمدارات فضائية، وحقوق طيف ترددي للاتصالات، وبنية تحتية أرضية، وقاعدة عملاء مستقرة، ومزود خدمات يحظى بالثقة الكاملة.

ويمكن لهذا المشروع أن ينطلق بسرعة نسبية عبر الاقتراض المباشر من قبل الاتحاد الأوروبي، ودون الحاجة للمرور بالعملية الطويلة لبناء تحالف من الدول الراغبة.

لقد أمضت أوروبا سنوات طوال وهي تتعامل مع السيادة الإستراتيجية باعتبارها عبئاً مالياً ونفقة باهظة.

وكان الأجدى بها أن تنظر إليها كأصل استثماري تملك زمامه. فالأقمار الاصطناعية ستحلّق في مداراتها في نهاية المطاف على أي حال، وتزيينها باثنتي عشرة نجمة ذهبية على خلفية زرقاء هو الخطوة المنطقية الأنسب.