كريغ كوبن
الرئيس العالمي السابق لأسواق رأس المال في بنك أوف أمريكا ويشغل حالياً منصب المدير الإداري في شركة سيدا إكسبرتس
نشرت المصارف الاستثمارية التي تولت إدارة الطرح العام الأولي الضخم لشركة «سبيس إكس» الشهر الماضي، تقاريرها البحثية أخيراً حول شركة إيلون ماسك، وذلك فور انتهاء فترة «الصمت التنظيمي» المفروضة على مستشاري الصفقة.
وجاءت توصيات جميع هذه المصارف دون استثناء، لتنصح بشراء السهم. فقد حدد مصرف «جولدمان ساكس»، الذي قاد قائمة المستشارين في مستندات الاكتتاب العام، سعراً مستهدفاً للسهم عند 205 دولارات.
في حين ذهب «مورجان ستانلي» أبعد من ذلك، متوقعاً وصوله إلى 300 دولار. أما مصرف «ريموند جيمس» فكان الأكثر تفاؤلاً وجموحاً، إذ وضع سعراً مستهدفاً عند 800 دولار، ما يعني ضمناً تقييم الشركة بأكثر من 10 تريليونات دولار.
ورغم أن كل مصرف ساق مبررات مختلفة لدعم حساباته، إلا أن النتيجة جاءت متطابقة في نبرتها التفاؤلية الصاعدة.
على سبيل المثال، أشاد «دويتشه بنك» بشركة «سبيس إكس»، واصفاً إياها بأنها «قمة الطموح الحضاري الإنساني، المتجسد في الفولاذ والنار، والذي يعيد تشكيل مسار التاريخ».
غير أن سعر السهم الحالي الذي يحوم حول 125 دولاراً، متراجعاً بنسبة 44 % عن ذروته التي أعقبت الطرح، و6 % دون سعر الاكتتاب الأصلي، يشير إلى أن المستثمرين في السوق كانوا أكثر حذراً.
وقد يتوقع المرء تبايناً حاداً في الآراء حول شركة ذات مخاطر عالية مثل «سبيس إكس»، إلا أن الجهات الضامنة للطرح لم تختلف هنا إلا على حجم ومقدار الصعود المتوقع.
فيما جاءت الأصوات المشككة والمتحفظة من خارج هذا التحالف المصرفي، إذ قدرت مؤسسة «مورنينج ستار» المستقلة، القيمة العادلة للسهم بنحو 63 دولاراً فقط.
وبعد مرور ثلاثة وعشرين عاماً على الخطوة الشهيرة التي اتخذها مدعي عام نيويورك آنذاك، إليوت سبيتزر، والتي أجبر فيها «وول ستريت» على الفصل التام بين الأبحاث والأنشطة المصرفية الاستثمارية، فإن المشهد الحالي لأسهم «سبيس إكس»، يعيد طرح سؤال شائك: هل نجح سبيتزر، الذي لقب حينها بـ«مأمور وول ستريت»، في تغيير الآليات القانونية الظاهرية، دون أن يفلح في تعديل الدوافع والمصالح الضمنية العميقة؟.
عندما انفجرت فقاعة الإنترنت المعروفة باسم فقاعة الـ«دوت كوم» في مطلع الألفية، كشفت الهيئات الرقابية عن رسائل بريد إلكتروني، تظهر أن محللي وول ستريت كانوا ينتقدون سراً أسهماً كانوا يروجون لها علناً، ويحثون الجمهور على شرائها.
وأثمرت التسوية العالمية عام 2003 بين المصارف والجهات التنظيمية، عن فرض قيود صارمة وشاملة، قضت بمنع المصرفيين من التأثير في رواتب ومكافآت المحللين، وفرض رقابة مشددة على الاتصالات بين قطاعي الأبحاث والخدمات المصرفية.
فضلاً عن حظر مشاركة المحللين في عروض الترويج للاكتتابات الجارية. وكانت الفرضية التي استند إليها سبيتزر، هي أن عزل المحللين عن ضغوط المصرفيين، سيثمر عن تقارير بحثية مستقلة تماماً، وأقرب إلى الدقة.
على مستوى معين، يمكن القول إن هذه الإصلاحات قد حققت نجاحاً ظاهرياً، إذ أنشأت المصارف جهاز امتثال ورقابة قوياً للفصل التام بين أبحاث الأسهم والخدمات المصرفية الاستثمارية.
وبات هناك «مراقبون» يدققون في أي تواصل بين المحللين ومسؤولي تمويل الشركات، لمنع أي شبهة للضغط.
ومن واقع عملي في ظل هذا النظام لأكثر من عقدين، يمكنني التأكيد أن هؤلاء المراقبين يأخذون أدوارهم بجدية بالغة، حيث يتدخلون سريعاً عند أي بادرة تأثير غير مبرر، في حين يحترم المصرفيون عموماً نص القواعد وروحها، فلا أحد يرغب في مواجهة عقوبات تأديبية.
ورغم أن تسوية سبيتزر العالمية قد انتهت رسمياً في ديسمبر الماضي لصالح قواعد أكثر مرونة تشرف عليها جمعية صناعية، إلا أن المصرفيين الاستثماريين يدركون عواقب الضغط المباشر على المحللين، وتواصل إدارات الامتثال حراسة هذه الحدود بيقظة.
رغم ذلك، لا يعمل المحللون في معزل عن الواقع المحيط بهم، فهم يرغبون في المشاركة في الصفقات الكبرى والبارزة، ويثمنون فتح قنوات التواصل مع الإدارات التنفيذية لصالح عملائهم من كبار المستثمرين المؤسسيين.
كما أنهم يدركون، على سبيل المثال، ما إذا كان رئيسهم التنفيذي قد بذل جهوداً لتأمين دور قيادي لمصرفهم في هذه الصفقة، دون أن يضطر أحد لشرح ذلك علانية.
أما الأطراف التي شاركت في جولات التمويل الخاصة والطرح العام الأولي، فلا تمتلك أي رغبة في نشر أبحاث تشكك في التقييمات السعرية، طالما أن فترات حظر بيع أسهمهم لا تزال سارية.
إذن، من هو القارئ المستهدف من هذه الأبحاث المصرفية؟ لا يوجد مدير صناديق استثمارية أعرفه يعتمد على توصيات جهات البيع لتخصيص رؤوس أمواله.
إذ يبني المستثمرون نماذجهم الخاصة، ويفترضون مسبقاً أن أبحاث «وول ستريت» غير قادرة على التزام الموضوعية المطلقة في صفقات كبرى وتاريخية، مثل إدراج «سبيس إكس».
وما يثمنه هؤلاء المستثمرون في الواقع هو التنظيم الواضح للبيانات التي توفرها الشركة، وفرص الوصول للإدارة التنفيذية.
ورغم احتمالية أن يتبع بعض مستثمري التجزئة الصغار هذه التقييمات، فإن التجربة تثبت أن الجمهور الأهم والهدف الحقيقي لهذه التقارير، هو الشركة المعنية نفسها، إذ تسعد الإدارات التنفيذية برؤية سرديتها الخاصة تتبناها تقارير تحمل شعار مصرف عالمي كبير. والإطراء يفتح الأبواب واسعاً في عالم المال، تماماً كما يفعل في شؤون الحياة كافة.
ولا يعني هذا أن المحللين يكتبون آراء لا يؤمنون بها، بل هم أشبه بالسمكة الصغيرة في حكمة الكاتب فوستر والاس الشهيرة «هذا هو الماء»، والتي تعيش في الماء دون أن تدرك وجوده، لأنه يحيط بها من كل جانب.
فالمحللون ليسوا بحاجة إلى توجيهات مباشرة تملي عليهم ما يكتبون، طالما أن المنظومة المحيطة بهم قد حددت مسبقاً، وبشكل تلقائي، ما يعد رأياً مقبولاً ومنطقياً.
لقد نجح سبيتزر في القضاء على تضارب المصالح الفج والعلني الذي طبع حقبة طفرة الإنترنت، إلا أن إصلاحاته القانونية لم تكن قادرة على محو شبكة المصالح والدوافع الكامنة، ففي حالة «سبيس إكس»، لم يكن المصرفيون بحاجة لإملاء النتائج على المحللين، للحصول على التقارير الوردية التي تمنوها.