بقلم: ويليام ساندلاند ودانيل تودور
تحوّل الوون الكوري الجنوبي من واحد من أسوأ العملات أداءً في آسيا إلى أحد أفضل العملات أداءً على مستوى العالم خلال الشهر الماضي، مدعوماً بإعادة أرباح شركات الشرائح الإلكترونية إلى البلاد، وعمليات البيع المكثفة لأسهم التكنولوجيا، والتشديد في السياسة النقدية.
وارتقى الوون بنسبة قاربت 8% مقابل الدولار في يوليو، ليصبح ثاني أفضل العملات أداءً في العالم بعد البيزو الكولومبي. وارتفع سعر صرفه بقوة يوم الخميس ليصل إلى 1419 وون للدولار، قبل أن يتراجع قليلاً إلى 1438 وون يوم الجمعة عقب تصريح مسؤول في المالية بأن سيؤول تنسق عن قرب مع الولايات المتحدة واليابان بشأن العملات.
وكان الوون قد عانى لمستويات تداول استمرت لأشهر عند أدنى مستوياتها منذ عقود خلال النصف الأول من العام، ما أثار قلق صناع السياسات وحيرة مراقبي العملات، خصوصاً أن كوريا الجنوبية تمتلك فائضاً تجارياً كبيراً مدعوماً بصادراتها من شرائح الذكاء الاصطناعي.
وفي مرحلة ما، تم تداول الوون عند مستويات لم تشهدها البلاد منذ الأزمة المالية عامي 2008 و2009، ليصنف بين أسوأ العملات أداءً في آسيا، متقدماً فقط على البيزو الفلبيني والروبية الهندية والروبية الإندونيسية، وهي بلدان تعرضت لصدمة الطاقة الناتجة عن التوترات في الشرق الأوسط.
وأوضح محللون أن هذا التحول المفاجئ يعود جزئياً إلى رهانات المستثمرين بأن خطط التوسع المحلي لشركات الشرائح الإلكترونية ستؤدي إلى إعادة استثمار مستمرة لأرباح الدولار المحققة في الخارج.
وكانت شركتا سامسونج للإلكترونيات «إس كيه هاينكس» قد كشفتا في يونيو عن خطط لاستثمار أكثر من تريليون دولار خلال سنوات عدة لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي ومصانع أشباه الموصلات داخل كوريا الجنوبية، ما يعادل ثلثي الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد.
وفقاً لما ذكره عباس كيشفاني، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في بنك RBC Capital Markets، الذي أضاف أن هذا يعني بيعاً ممتداً للدولار لفترة طويلة جداً.
كما جمعت شركة SK Hynix مبلغ 26.5 مليار دولار عبر إدراج ضخم في الولايات المتحدة الشهر الماضي، مع تخصيص معظم العائدات للاستثمار المحلي.
وقدر متعاملون إعادة نحو مليار دولار يومياً إلى كوريا الجنوبية بين منتصف يوليو ومنتصف أغسطس عبر أسواق المعاملات الفورية والمستقبلية، ما وفر مصدراً إضافياً، وإن كان مؤقتاً، للطلب على الوون.
وتأتي هذا القوة في أداء العملة رغم فقدان مؤشر «كوسبي» للأسهم لنحو ربع قيمته الشهر الماضي، ما يعكس تحولاً عالمياً بعيداً عن أسهم شركات التكنولوجيا وسط مخاوف بخصوص استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي.
وأشار ميتول كوتشا، رئيس استراتيجية الصرف الأجنبي والأسواق الناشئة في بنك باركليز، إلى أن الهبوط الحاد في الأسهم ساعد على التخفيف من مبيعات الأجانب للأسهم والوون.
ففي النصف الأول من العام، قام مديرو الصناديق العالمية ببيع مكثف للأسهم وجني الأرباح، حيث أدت الارتفاعات السريعة لمؤشر كوسبي إلى زيادة وزن أصول كوريا الجنوبية لديهم مقارنة بتوزيعات المحافظ المعيارية.
وقال وي جاي هيون، محلل الصرف الأجنبي في شركة كيوبو للأوراق المالية في سيؤول، إنه رغم استمرار المستثمرين الأجانب في عمليات البيع الصافي، إلا أن حدتها انخفضت بشكل كبير مقارنة بشهر يونيو.
كما يرجح أن التراجع في أسهم التكنولوجيا الأمريكية قد حد من تدفقات رؤوس الأموال للخارج من قبل المستثمرين الكوريين الجنوبيين الذين ضخوا مبالغ ضخمة في شركات مثل إنفيديا وميكرون و«سبيس إكس».
ولفت خوليو كاليجاري، رئيس الاستثمار لأدوات الدخل الثابت في آسيا لدى جيب أصل جيه بي مورجان، إلى أنه بعيداً عن العوامل الأساسية، فقد تغيرت ديناميكيات التدفقات عند الهامش بطرق دعمت تعافي الوون.
وقد تعزز هذا التعافي بفضل تحول في السياسة النقدية؛ ففي الشهر الماضي، رفع بنك كوريا المركزي أسعار الفائدة للمرة اﻷولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، متضمناً زيادة الفائدة الرئيسية بمقدار 0.25 نقطة مئوية لتصل إلى 2.75%. وعادة ما تدعم أسعار الفائدة المرتفعة العملة من خلال زيادة العوائد على الأصول المحلية، ما يجعلها أكثر جاذبية مقارنة بالاستثمارات الخارجية.
وقالت إيدانا أپيو، مديرة المحافظ وكبيرة محللي البحوث في «فيرست إيجل إنفستمنت»، إن هناك جهوداً حكومية أكثر تنسيقاً لحث الشركات والأسر على إعادة المزيد من الأموال إلى كوريا.
ويأتي هذا الموقف الأكثر تشدداً من بنك كوريا وسط بيانات إيجابية غير متوقعة للاقتصاد الكلي، حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.7% في الربع الثاني، وشهد التضخم تسارعاً ليصل إلى 3.2% في يونيو.
وفي جلسة استماع برلمانية يوم الأربعاء، قال شين هيون سونغ، محافظ بنك كوريا المركزي، إنه من المرجح أن يظل التضخم أعلى من المستوى المستهدف لفترة زمنية كبيرة، مؤكداً أن الحفاظ على مسار رفع أسعار الفائدة هو الخيار الأكثر عقلانية للسيطرة عليه.
