طفرة خفية في صفقات الاندماج والاستحواذ بأمريكا

رانا فوروهر

تستهدف عمليات الاندماج والاستحواذ المزدهرة عالمياً في الوقت الحالي قطاعاً مفاجئاً، هو منظومة الجامعات الأمريكية. ويعد التعليم العالي سادس أكبر صادرات الولايات المتحدة، لكن عدد مؤسسات التعليم العالي آخذ في الانكماش. وإذا مضت إدارة ترامب قدماً في توجهاتها، فإن هذا القطاع سيصبح أصغر بكثير.

ففي الشهر الماضي، أعلنت الإدارة الأمريكية قواعد جديدة تهدف إلى تسريع عملية اندماج مؤسسات القطاع. وقال وكيل وزارة التعليم نيكولاس كنت في يونيو الماضي: «هناك 6 آلاف مؤسسة للتعليم العالي في هذا البلد، ولن تتمكن جميعها من الصمود خلال العقد المقبل.

والمؤسسات التي ستبقى ستكون أكثر مرونة وقدرة على التكيف». وبحلول نهاية يوليو، كانت كليات عدة في نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا قد أعلنت صفقات جديدة للاندماج والاستحواذ.

لكن حتى قبل أن تبدأ الإدارة، التي تتخذ موقفاً متشككاً عموماً من التعليم العالي، في تسهيل عمليات اندماج الكليات، كانت هذه العمليات قطعت شوطاً بعيداً. ويقف وراء هذا الاتجاه عوامل عدة، بينها التحولات الديموغرافية.

والتكاليف الباهظة، والتوسع المفرط في الاقتراض، وتراجع الثقة في المؤسسات، وانخفاض قيمة الشهادة الجامعية، والحاجة إلى إيجاد مزيد من الكفاءة في عصر التعليم عبر الإنترنت والاضطرابات التي يتوقع أن يحدثها الذكاء الاصطناعي.

وبين عامي 2000 و2025، تضاعف عدد عمليات الاندماج والاستحواذ في قطاع التعليم العالي ثلاث مرات، مدفوعاً بدرجة كبيرة بعمليات توحيد قطاع المؤسسات التعليمية الهادفة للربح، التي تعرض بعضها خلال السنوات الأخيرة لانتقادات بسبب ضعف النتائج والممارسات الاستغلالية، ولعل «جامعة ترامب» خير مثال على ذلك.

وكانت كثير من هذه المؤسسات تعاني ضعف الأداء وتبالغ في وعودها لسنوات، مستفيدة من نظام اتحادي سخي للقروض، لكنها أخفقت في تخريج أعداد كبيرة من الطلاب ذوي الدخل المحدود، الذين انتهى بهم الأمر إلى التخلف عن سداد القروض، ومغادرة الجامعة محملين بالديون من دون الحصول على شهادة جامعية.

وفي الآونة الأخيرة، بدأت الجامعات الخاصة غير الهادفة للربح، التي قد تصل فيها تكلفة عام واحد من الرسوم الدراسية والسكن إلى عشرات الآلاف من الدولارات، بل وتتجاوز 100 ألف دولار في بعض الحالات، تواجه ضغوطاً متزايدة للاندماج.

وفي حين لا تزال الجامعات الحكومية الكبرى تقدم قيمة جيدة مقابل المال، خصوصاً للطلاب المقيمين في الولاية، فإن الكليات الخاصة متوسطة الحجم وعالية التكلفة، التي لا تتمتع بعلامة أكاديمية مرموقة أو تخصص مميز، مثل بعض برامج التعليم المهني أو المسارات الدراسية المؤهلة للمهن، تتعرض لضغوط متزايدة.

وخلال العقدين الماضيين، اقترضت كثير من هذه المؤسسات أموالاً لتوظيف مزيد من الإداريين وبناء منشآت فاخرة، بهدف جذب الطلاب الذين يدفعون الرسوم الدراسية كاملة، وغالباً ما يكونون من الطلاب الأجانب.

لكن البيئة تغيرت الآن. فقد ارتفعت تكاليف التشغيل وأسعار الفائدة، في وقت ظلت فيه أعباء الديون عند مستوياتها السابقة أو ارتفعت. كما بدأ الطلاب الأجانب يعيدون النظر في الولايات المتحدة كوجهة دراسية، مع تحول البلاد إلى بيئة أكثر عدائية تجاه الهجرة. في الوقت نفسه، تراجعت أعداد الملتحقين بالكليات إجمالاً بنسبة 11% بين عامي 2010 و2021.

ورغم أن الأعداد تعافت قليلاً في السنوات الأخيرة، فإن القطاع يواجه منحدراً ديموغرافياً يلوح في الأفق. فالولايات المتحدة تشهد تخرج نحو 3.9 ملايين طالب من المدارس الثانوية سنوياً، لكن هذا الرقم ربما بلغ ذروته بالفعل. وتتوقع إحدى الدراسات الحديثة أن ينخفض العدد إلى نحو 3.4 ملايين طالب بحلول عام 2041، أي بخسارة قدرها 13%.

وتعمل كثير من الكليات على خفض أسعارها في محاولة للحفاظ على أعداد الملتحقين بها؛ إذ قدمت الكليات الخاصة غير الهادفة للربح خصومات على الرسوم الدراسية بمتوسط 57% خلال العام الدراسي 2025 - 2026.

ويمكن أن يؤدي ذلك بدوره إلى عجز في الميزانيات. في الوقت نفسه، خلص مسح حديث لمسؤولي التعليم العالي في الولايات إلى أن «التعليم بوجه عام لا يزال يواجه انخفاضاً في التمويل الحكومي، إلى جانب حاجة متزايدة إلى تعظيم الكفاءة التشغيلية»، ما سيجعل «عمليات توحيد المؤسسات» أكثر بروزاً في الولايات المتحدة.

ووفقاً لإحدى الدراسات، خاض نحو 20% من رؤساء الكليات والجامعات مناقشات جادة بشأن عمليات اندماج في عام 2025. وكان 34% من هؤلاء في جامعات خاصة غير هادفة للربح، مقابل 7% في المؤسسات الحكومية.

وكثير من هذه المؤسسات هي تحديداً من الكليات الخاصة مرتفعة التكلفة والنخبوية التي تركز على الفنون الحرة، والتي خاضت خلال السنوات الأخيرة مواجهات مع الإدارة بشأن خفض التمويل والتحقيقات المتعلقة بالحقوق المدنية.

لكن قصة عمليات الاندماج والاستحواذ في قطاع التعليم العالي لا تمثل مجرد رد فعل على العوامل السياسية والاقتصادية، وإنما تتعلق أيضاً بمحاولة المؤسسات استباق الاتجاهات المقبلة.

وهناك مجموعة كبيرة من المؤسسات التعليمية الصاعدة التي تسعى إلى الاندماج بهدف بناء حضور عالمي وزيادة مستوى ظهورها في سوق تتحول بصورة متزايدة إلى بيئة لا يفوز فيها سوى عدد محدود من المؤسسات.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك جامعة نورث إيسترن، وهي مؤسسة مقرها بوسطن كانت تعرف ذات يوم بأنها كلية يرتادها الطلاب خلال النهار ثم يعودون إلى منازلهم، لكنها تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الجامعات انتقائية في البلاد.

ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى نجاح برنامج «التعليم التعاوني» لديها، الذي يعمل الطلاب بموجبه في كثير من الأحيان، في وظائف جيدة الأجر ترتبها الجامعة، لمدة لا تقل عن 6 أشهر قبل التخرج.

وأخبرني جوزيف عون، رئيس جامعة نورث إيسترن، الأسبوع الماضي، مع التأكيد على أنه ليس الشخص نفسه الذي يتولى رئاسة لبنان، أن «الجامعات التي تتمتع بتميز واضح في علامتها الأكاديمية تحقق أداءً جيداً في البيئة الحالية، أما تلك التي لا تتمتع بذلك، فلا تحقق أداءً جيداً».

وخلال السنوات العشر الماضية، استحوذت نورث إيسترن على ثلاث مؤسسات تعليمية أخرى، في لندن وأوكلاند بولاية كاليفورنيا، وفي نيويورك في يوليو، وذلك في إطار مساعٍ لا تهدف فقط إلى بناء علامة تجارية عالمية للجامعة، وإنما أيضاً إلى الاستعداد للتأثيرات المربكة التي سيحدثها الذكاء الاصطناعي، الذي اتخذت العديد من الجامعات الأمريكية تجاهه موقفاً معادياً.

ويرى عون أن الذكاء الاصطناعي سيزيد إمكانات التعلم عن بُعد، لكنه لن يحل بالضرورة محل التواصل البشري في العالم الحقيقي. ولهذا السبب، سيكون وجود عدد أكبر من الفروع الجامعية الفعلية أمراً بالغ الأهمية. ويقول: «نعتقد أن التعليم القائم على التجربة سيصبح أكثر أهمية في عالم الذكاء الاصطناعي». ومع الاتجاه نحو مزيد من عمليات توحيد مؤسسات التعليم العالي، فإن الحجم سيكون مهماً أيضاً.