التغير المناخي يهدد 60 دولة بخفض تصنيفاتها الائتمانية بحلول 2030

شهدت الأعوام الأخيرة اتجاهاً متزايداً بين المستثمرين نحو التشكيك في جدوى الاستثمار المعني بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، بالتزامن مع تسارع الحكومات إلى التراجع عن التزاماتها المناخية، خاصة عقب عودة منكر التغير المناخي إلى البيت الأبيض.

وإذا كان للطقس القاسي الذي شهده الصيف الحالي في أوروبا أي فائدة وسط مشاهد الدمار والوفيات، فهي إجبار الجميع على إعادة التفكير. ومن المرجح أن تكون الأضرار الناجمة عن حرائق الغابات التي اجتاحت أجزاء من فرنسا وإسبانيا واليونان ضخمة، إذ تقدر بحسب تحليل لصحيفة «فايننشال تايمز» بنحو 3 مليارات يورو.

ولا يعد هذا الأمر استثنائياً؛ إذ تشير وكالة البيئة الأوروبية إلى أن الظواهر الجوية الكارثية، بما في ذلك الفيضانات والعواصف والجفاف، تسببت خلال الفترة من 1980 إلى 2024، في أضرار بلغت قيمتها 822 مليار يورو، وقع ربعها خلال الأعوام الأربعة الماضية وحدها. وهذه الأرقام لا تعكس سوى الخسائر المباشرة.

بينما تشمل التكاليف غير المباشرة ارتفاع معدلات التضخم، خاصة في السلع الغذائية، واضطراب سلاسل التوريد، وتراجع الإنتاجية، وتضرر البنية التحتية، فضلاً عن الأصول المهجورة مع إغلاق الأعمال وتراجع تعداد السكان في المناطق المتأثرة.

وما ينبغي أن يثير قلق المستثمرين هو أثر هذه الأحداث التي تزايدت وتيرتها على الموارد المالية للدول ذات مستويات الديون المرتفعة. فخلال أزمة الديون في منطقة اليورو، خضعت الأسواق لخوف مشروع من «حلقة مفرغة» بين المصارف والديون السيادية.

واليوم، بحسب ما حذر منه مركز البحوث «بروجيل» في بروكسل مؤخراً، يبرز خطر تشكل «علاقة تبادلية سامة بين المناخ والديون»؛ إذ تؤدي التكاليف المناخية المرتفعة إلى تآكل الجدارة الائتمانية للدول، ما يحد بالتبعية قدرتها المالية على الإنفاق على التكيف والتخفيف، ويؤدي إلى تكاليف أكبر مستقبلاً.

وهذه المخاوف ليست هامشية ولا هي على المدى البعيد؛ إذ تنفق الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مجتمعة نحو 29 مليار يورو سنوياً فقط على التكيف المناخي والتخفيف من آثاره، من أصل 70 مليار يورو سنوياً حتى عام 2050 حسب تقدير المفوضية الأوروبية.

ووفقاً لدراسة حديثة أجراها معهد الموارد العالمية، فإن كل يورو يتم إنفاقه على التكيف يتوقع أن يوفر 10 يوروهات من الأضرار المستقبلية.

وفي سياق أزمة الإجهاد الحراري خلال ما تبقى من هذا العقد، تشير تقديرات شركة التأمين «أليانز» إلى أن الاقتصادات الأكثر عرضة للخطر في أوروبا قد تواجه خسارة إجمالية تراوح بين 5 و7 % من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد تبلغ التكاليف في فرنسا وحدها نحو 210 مليارات يورو بحلول عام 2030، ما يضيف 2.2 % من الناتج المحلي الإجمالي إلى عجزها المالي.

ويوضح ميكائيل بن، المحلل المناخي لدى «أبسيولوت ستراجيتي ريسيرش»، أن هناك بالفعل رابطاً واضحاً بين المخاطر المناخية المادية المرتفعة وزيادة تكاليف الاقتراض السيادي حتى بعد استبعاد العوامل الاقتصادية الكلية المعتادة لقياس حجم الديون.

ويرى بن أن ما يصل إلى 60 دولة قد تواجه خفضاً في تصنيفاتها الائتمانية بسبب العوامل المناخية بحلول عام 2030. وتأتي في مقدمة الدول الأكثر عرضة لمخاطر التخلف عن السداد كباكستان ونيجيريا.

وفي المقابل، قد تشهد دول أخرى تحسناً في تصنيفاتها، إما لتمتعها بإمكانات قوية في الطاقة المتجددة مثل تشيلي، أو لامتلاكها موارد وفيرة لازمة للتحول الاقتصادي مثل الأرجنتين.

إلا أن أوروبا تبدو عرضة للمخاطر بشكل خاص؛ ليس فقط لأن بنوكها تحوز حصصاً ضخمة من الديون السيادية، بل لأنها تحتفظ بمحافظ متنوعة من سندات الدول الأخرى الأعضاء، ما يرفع مخاطر انتقال العدوى المالية في حال أدى الإجهاد المناخي إلى أزمة مالية في أي دولة.

وليس مستغرباً أن البنك المركزي الأوروبي واصل التحذير من هذه المخاوف لسنوات، داعياً الحكومات إلى العمل مع القطاع الخاص لتوسيع نطاق التأمين المناخي. ومع تغطية التأمين لنحو 20 % فقط من الخسائر حالياً، وهي نسبة تهوي إلى

1 % في رومانيا، فإن العبء المتبقي على الأغلب سيستقر في الميزانيات العمومية للدول، لتصبح الحكومة الملاذ الأخير للتأمين. وفي حين تبدي المؤسسات الأوروبية يقظة مرحباً بها، فإن الوضع في الولايات المتحدة لا يسير على النهج نفسه، وهو أمر يبعث على القلق أن تكون أمريكا أكثر هشاشة من أوروبا، بحسب ديفيد أوين من «سالتكارش إيكونوميكس».

ويظهر مؤشر «سالتكارش إيكونوميكس» المناخي أن وضع الولايات المتحدة يتجاوز أوروبا سوءاً في حجم الانبعاثات وتكلفتها؛ حيث يكلف الأثر الاقتصادي للكوارث أمريكا نحو

0.5 % من ناتجها المحلي سنوياً، أي أكثر من ضعف المستويات الأوروبية، وتتركز أغلب هذه الأضرار في ولايات محددة. وهذه التطورات هي بالضبط ما يجب على الجهات التنظيمية الأمريكية مراقبته عن كثب. وأمام غياب هذه المراقبة، يقع العبء على المستثمرين لإيلاء الاهتمام الكافي، استعداداً لليوم الذي تطلق فيه ظاهرة جوية قاسية شرارة حدث مؤلم في الأسواق.

كاتب نشرة ثروة الأمم