ويليام ساندلوند
أدى الدعم الذي تقدمه بكين وحمى الاستثمار لرفع تقييمات أسهم شركات التكنولوجيا الصينية إلى مستويات أعلى بكثير من نظيراتها الأمريكية، في وقت يبرز فيه قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني كمنافس جدي للهيمنة العالمية لوادي السيليكون.
وحقق مؤشر «ستار 50» في شنغهاي، الذي يتتبع أكبر 50 شركة وأكثرها تداولاً والمختصة في شركات التكنولوجيا الصينية، عائداً بلغ 29% هذا العام.
وتفوق المؤشر بفارق كبير على مؤشر «سي إس آي 300» الأوسع نطاقاً، الذي ارتفع 0.9%، كما يتقدم بفارق واضح على مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ، الذي انخفض 1.5%.
ويتم تداول المؤشر أيضاً عند مستويات تعد من أعلى تقييماته منذ إطلاقه. وحتى بعد موجة بيع حديثة، يتجاوز متوسط مكرر الربحية لمؤشر «ستار 50» مستوى 150 مرة، مقابل 35 مرة لمؤشر «ناسداك 100» في الولايات المتحدة.
وتعكس هذه التقييمات المرتفعة للغاية موجة حماس من المستثمرين المحليين الذين ما زالوا يبحثون عن أماكن لاستثمار أموالهم، بعد الانهيار المؤلم الذي شهدته سوق الإسكان.
لكن مديري الصناديق قالوا إن ذلك يعكس أيضاً اعتقاداً بأن قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني سريع النمو قادر على منافسة نظرائه الأمريكيين الذين يتمتعون بموارد مالية ضخمة.
وقال جاري تان، مدير محفظة الأسواق الناشئة لدى «Allspring Global Investments»: إن المستثمرين كانوا «يراهنون على منظومة التكنولوجيا الصينية».
وأضاف «لتستثمر في هذا القطاع، عليك فقط أن تؤمن بأن الصين قادرة على اللحاق بالركب»، مشيراً إلى أن التوقعات المرتفعة بشأن الذكاء الاصطناعي الصيني تقف وراء هذه التقييمات المرتفعة.
وسلط الضوء على التقدم الذي تحرزه الصين في الذكاء الاصطناعي، إطلاق «كيمي 3» من شركة «مون شوت»، وهو أكبر نموذج للذكاء الاصطناعي تطوره الصين حتى الآن، وينافس نماذج شركة «أنثروبيك»، إلى جانب إدراج شركة صناعة الرقائق الصينية «سي إكس إم تي»، التي تجاوزت «تنسنت» لتصبح الشركة الأعلى قيمة في الصين.
كما اجتذب الإدراج المرتقب لمجموعة «Unitree» المختصة في الروبوتات الشبيهة بالبشر طلبات من المستثمرين الأفراد تجاوزت المعروض المتاح لهم بأكثر من 5500 مرة، في مؤشر على حالة الهوس التي تشهدها أسواق رأس المال الصينية.
وقال فارون لايجاوالا، مدير محفظة الأسواق الناشئة لدى «Ninety One»: إن هناك «تضاؤلاً كبيراً في الفجوة بين الصين وبقية العالم فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي».
وقد وضعت الحكومة الصينية كامل ثقلها وراء هذا الازدهار. إذ تدخل «الفريق الوطني» الصيني، المكون من صناديق مدعومة من الدولة، لشراء الأسهم بعد أن أدت موجة بيع عالمية لأسهم شركات صناعة الرقائق هذا الصيف إلى تراجع الأسهم الصينية.
وقال فرانك بنزيمرا، رئيس استراتيجية الأسهم الآسيوية لدى «Société Générale»: إن بكين تدفع بإلحاح متزايد نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات، لمواجهة القيود الغربية على التصدير، ما يعني أن التقييمات المرتفعة تتركز بصورة أكبر في قطاع صناعة الرقائق.
وكانت شركة «سي إكس إم تي» قد تلقت في البداية دعماً من صناديق مرتبطة بحكومة مدينة «خفي» في شرق الصين.
وقال بنزيمرا: «نشهد عدداً متزايداً من الشركات المحلية التي تورد منتجاتها لشركات محلية أخرى»، مضيفاً أن النمو القوي في الأرباح يدعم هذه التقييمات المرتفعة. مؤكداً أن «عملية توطين سلاسل التوريد هذه تمثل عاملاً إضافياً يدعم نمو الأرباح».
وخلال العام الماضي، خففت البورصات الصينية الرئيسية متطلبات الإدراج للشركات غير المربحة التي تعمل على تطوير تقنيات ذات أهمية استراتيجية.
وكان أكثر من نصف الشركات التي أدرجت في البر الرئيسي للصين هذا العام من قطاعات التكنولوجيا أو الصناعة، بينما بلغت النسبة في هونغ كونغ 77%، وهي أعلى من ذلك.
وقد أدت متطلبات الإدراج الأكثر مرونة إلى دفع التقييمات إلى مستويات أعلى. فالشركات التي أدرجت في شنغهاي هذا العام سجلت في المتوسط مكرر ربحية بلغ 268 مرة ومكرر مبيعات بلغ 43 مرة، مقارنة بـ67 مرة و22 مرة على التوالي للشركات التي أدرجت العام الماضي.
ويأتي ارتفاع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي الصينية في وقت يشهد فيه الاقتصاد الصيني ككل ضعفاً ملحوظاً، ما يقدم صورة متناقضة تجمع بين التفوق التكنولوجي والهشاشة الاقتصادية. وقد سعت بكين إلى تحويل مدخرات الأسر من العقارات إلى الأسهم بعد انهيار سوق العقارات في عام 2022.
وقالت إيدانا أبيو، مديرة المحافظ والمحللة البحثية البارزة لدى «First Eagle Investments»: إن «انهيار سوق الإسكان في الصين لا يقل حجماً عن أي انهيار شهدناه»، مضيفة أن معظم أزمات انهيار العقارات استغرقت عقداً من الزمن للتعافي منها.
وأدى ضعف الطلب المحلي إلى تضرر أسهم الشركات المرتبطة بثقة المستهلك الصيني بشدة، ومن بينها شركتا الإنترنت «علي بابا» و«تنسنت»، اللتان تراجعت أسهمهما 17% و26% على التوالي هذا العام.
ويبدو أن السلطات غير قادرة أو غير راغبة في تقديم حوافز اقتصادية ذات أثر ملموس لمعالجة ضعف طلب المستهلكين. وبدلاً من ذلك، تأمل بكين، بحسب تشي لو، كبير استراتيجيي الأسواق لدى «بي إن بي باريبا»، أن «تحل الصناعات الجديدة، بمرور الوقت، محل الصناعات القديمة وتخلق وظائف ذات قيمة مضافة مرتفعة».
ويعود ارتفاع التقييمات إلى حقيقة أن شركات التكنولوجيا الصينية تطرح أسهمها في البورصة في مرحلة أبكر بكثير من نظيراتها الأمريكية، لأن الصين تفتقر إلى قطاع قوي لرأس المال المغامر يمتلك موارد مالية ضخمة يمكنه تمويل الشركات الخاصة لفترة أطول.
وقال بنزيمرا: «كان هناك توجه متزايد في الولايات المتحدة نحو تأخير إدراج الشركة في البورصة». وأضاف «هناك نظام متكامل من صناديق الاستثمار الخاصة التي تمتلك الكثير من الأموال» يستطيع أن يدعم الشركات طويلاً قبل طرحها في البورصة.
وقال جيمس وانغ، رئيس استراتيجية الأسهم الصينية لدى «يو بي إس»: إن أسواق الأسهم الصينية لا تضم العدد نفسه من المستثمرين الذين يستثمرون على المدى الطويل كما هو الحال في الولايات المتحدة.
وأضاف «بعض أكبر اللاعبين، مثل صناديق الاستثمار المشتركة، يركزون بدرجة كبيرة على المدى القصير». وتابع: «وعندما يكون لديك عدد أكبر بكثير من المستثمرين لفترات قصيرة الأجل، فإن ذلك يؤدي عادة إلى مزيد من التزاحم على الاستثمارات نفسها».
ويراهن المستثمرون المتفائلون، مثل لايجاوالا من «Ninety One»، على أن التزام بكين بالتكنولوجيا سيستمر على الأرجح، مدفوعاً بتركيز الرئيس شي جين بينغ على الأمن القومي.
وقال لايجاوالا: «إذا فكرت في الأمن القومي، فما هو الأمن القومي في الصين اليوم؟ إنه الريادة التكنولوجية». وأضاف، في معرض حديثه عن ارتفاع التقييمات في بيئة الاستثمار الحالية بالولايات المتحدة والصين: «الأمر يعتمد على ما تعتبره طبيعياً. ولا أعتقد أن هناك ما يمكن اعتباره طبيعياً في هذه الأيام».
