هل تتحدى شرائح «إنفيديا» قوانين التمويل؟

ميشيل تشان، وجورج هاموند، وأنتوان غارا

تراهن «وول ستريت» على أن شرائح الذكاء الاصطناعي يمكنها تحدي إحدى القواعد الأساسية في عالم التمويل؛ وهي أن التقنيات سريعة التطور تفقد قيمتها الاستثمارية والتجارية بسرعة.

وكشفت شركة «إنفيديا» هذا الأسبوع عن صفقة بقيمة 500 مليار دولار تتيح للمجموعات التكنولوجية استئجار أشباه الموصلات بتمويل من مؤسسات كبرى تضم «أبولو جلوبال»، و«كي كيه آر» (KKR)، و«بروكفيلد»، و«بلاك روك»، و«جولدمان ساكس».

وتنطلق هذه الشراكة الضخمة من توقعات بأن أسعار الشرائح ستظل مرتفعة لفترة أطول مما كان يتوقعه العديد من المحللين، نتيجة للتكالب الحاد على تأمين المكونات التي تشغل طفرة الذكاء الاصطناعي، حسب ما صرح به مسؤولون تنفيذيون في قطاع التمويل مشاركون في الصفقة.

وقال جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لـ«إنفيديا»: إن الاتفاق سيخلق فئة أصول جديدة مدعومة بالشرائح، ستكون مهيأة لجذب الاستثمارات من قطاع رأس المال الخاص البالغ حجمه 22 تريليون دولار.

وعلى نحو متصل، أكد عمالقة قطاع الاستثمار، بينهم جون جراي من «بلاكستون» ولاري فينك من «بلاك روك»، حماسة شركاتهم لضخ رؤوس الأموال للاستفادة من الشغف غير المحدود ببناء مراكز بيانات جديدة قادرة على تدريب أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها.

غير أن نموذج التمويل الجديد ينطوي أيضاً على مخاطرة تتمثل في احتمال خطأ الممولين في تقدير استدامة الطلب على شرائح «إنفيديا» وتقييم قيمتها المستقبلية.

وأوضح بن باجارين، المحلل التكنولوجي في شركة «كريتيف ستراتيجيز» بوادي السيليكون: «إن الأمر برمته يعتمد على الاستثمار المستمر. وهناك خطر يتمثل في الإفراط في بناء البنى التحتية، أو تباطؤ الطلب، أو تحسن النماذج بدرجة تجعلها لا تتطلب هذا القدر الهائل من قدرات الحوسبة».

وبخلاف السيارات المستأجرة أو الطائرات التجارية، التي تمتلك قاعدة مشترين مضمونة إذا تعثر العميل، تظل القيمة طويلة الأجل للشرائح محل شك في ظل التطور السريع للتقنية وتقلبات الطلب.

وفيما يتعلق بالديون المدعومة بعقود إيجار الشرائح، يشترط العديد من المقرضين حالياً سداد القروض بالكامل خلال 3 إلى 5 سنوات، انطلاقاً من افتراض أن القيمة الاستثمارية للأصل الأساسي ستصبح ضئيلة جداً بعد هذه الفترة. كما يلتزم مشترو الشرائح أو مستأجروها ببناء مراكز البيانات، ما يعني أن تدفقات الإيرادات المتوقعة تتأخر كثيراً عن خطط إنفاقهم الضخمة.

رغم ذلك، يرى هوانج أن حتى شرائح H100 الأقدم من «إنفيديا» حافظت على قيمتها لفترة أطول مما توقعه الكثيرون بسبب الطلب المتسارع على قدرات الحوسبة.

وفي منشور له على منصة «إكس» مساء الاثنين، قال هوانغ إن أسعار تأجير الشرائح الحديثة ارتفعت، وإن شرائح A100 المصنوعة منذ ست سنوات لا تزال قيد الاستخدام، متجاوزة التقديرات الأولية لعمرها التشغيلي.

ولا تزال أقوى شرائح «إنفيديا» تشهد طلباً مرتفعاً من مختبرات الذكاء الاصطناعي التي تدرب النماذج فائقة التطور، غير أن المجموعات التكنولوجية مستعدة لاستخدام الأجهزة الأقدم للمهام الأبسط مثل الرد على الاستفسارات.

كذلك نجحت «إنفيديا» في تمديد العمر الافتراضي لشرائحها من خلال التحديث المنتظم لمنصتها البرمجية «كودا» (Cuda). وتعد هذه المنصة عنصراً محورياً في هيمنة «إنفيديا» على الذكاء الاصطناعي، إذ تتيح للعملاء استخدام وحدات معالجة الرسومات المصممة أصلاً للرسوميات لتسريع تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وأشار باجارين إلى أن الطلب الهائل على جميع أنواع الشرائح من المرجح أن يدعم خطة «إنفيديا» على المدى المتوسط، بينما سيعتمد نجاحها على المدى الطويل على الاستمرار في خفض التكلفة الإجمالية لمنتجاتها.

كما تضمن «إنفيديا» أن تحافظ الشرائح على 25 % على الأقل من قيمتها طوال مدة عقد الإيجار، ما يضع عملاق الشرائح، الذي تبلغ قيمته السوقية 5.3 تريليونات دولار، تحت طائلة التكفل بأي خسائر أولية تتعرض لها هذه الشرائح.

وقال أحد المسؤولين التنفيذيين المشاركين في صفقة «إنفيديا» البالغة 500 مليار دولار، في إشارة إلى الأسعار الحالية لشرائح A100، «هناك قيمة مهمة لوحدة معالجة الرسومات، وتملك إنفيديا سجلاً يمتد 10 سنوات يوضح تسعير وحدة التأجير لشرائحها». ووصف ضمانة «إنفيديا» بأنها بمثابة «الشريحة امتصاص الصدمة الأولى»، ما يعني أن الشركة ستستوعب الخسائر الأولية في قيمة الشرائح.

وقد دفع هذا الضمان من «إنفيديا» شركات رأس المال الخاص إلى الاعتقاد أن هناك إمكانية لتجميع صفقات تمويل للشرائح في أوراق مالية وتوريقها وبيعها لمشتري الديون مثل شركات التأمين التي تدير أصولها، ما يفتح الباب أمام الاستفادة من رؤوس الأموال الضخمة لدى شركات مثل «أبولو» و«كي كيه آر» و«بروكفيلد».

وتوقع مسؤول تنفيذي آخر يشارك «إنفيديا» أن توحد عقود إيجار شرائح معالجة الرسومات معايير التسعير وتحقق كفاءة أعلى لمجموعات الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن المستثمرين في أوراق الديون العامة سيدخلون هذا المجال في نهاية المطاف. ما يجعل هذه الفئة من الأصول أسهل تداولاً بمجرد أن «يبدأ السوق في استيعاب طبيعتها».

وتختلف هيكلة الصفقات بين الشركات المالية. فقد تؤسس بعض الشركات كيانات تمويل مختصة في الشرائح، وتقوم بهيكلة قروضها على نحو يشبه الأدوات الاستثمارية المستخدمة في تمويل عمليات الاستحواذ بشركات الاستثمار المباشر.

والمعروفة باسم «التزامات القروض المضمونة بضمانات» (CLOs). وتقسم هذه الالتزامات إلى شرائح ذات تصنيفات ائتمانية متعددة، ما يتيح للمستثمرين الاختيار بين مستويات المخاطر المختلفة.

وذكر أحد المسؤولين التنفيذيين أنه «يمكن توفير رأس المال لوحدات معالجة الرسومات عبر طبقات مخاطر متعددة، على نحو يشبه هيكلة التزامات القروض المضمونة». غير أن آخرين تحفظوا على هذا النهج، وأشار أحدهم إلى أن «كل جهة ستتبع أسلوباً مختلفاً في التمويل».

كما أن تمويل وول ستريت قد يحل صعوبة أخرى تواجه «إنفيديا»، تتمثل في تخفيف الضغط الناجم عن التزامها بتمويل عملائها مباشرة.

وأوضح فيفيك أريا، محلل البحوث في «بنك أوف أمريكا سيكوريتيز»، هذا الأسبوع أن الدعم المقدم من أكبر المؤسسات المالية في العالم سيتيح لـ «إنفيديا» التحول بعيداً عن «تمويل العملاء»، الذي توفر من خلاله الشركة ضمانات مباشرة لمساعدة عملائها على جمع الديون في أسواق المال.

وأضاف أن اتفاقية «إنفيديا» مع كبار اللاعبين في وول ستريت إيجابية للشركة المصنعة للشرائح، نظراً لأن «عبء المخاطر سيقع على عاتق التحالف المالي، وليس على الميزانية العمومية لإنفيديا».