هل يمكن انتشال المكسيكيين من إدمان الدفع النقدي؟

كريستين موراي

الاعتماد على الدفع النقدي راسخ بشكل لافت بين الأغنياء والفقراء في المكسيك على حد سواء. ففي محال بيع خبز التورتيلا، ومحطات الوقود، وعلى الطرق الخاضعة للرسوم، يمكن دفع ثمن كل شيء تقريباً بالأوراق النقدية، من حفلات الزفاف الفاخرة لأتعاب العلاج الطبي الخاص.

وبالنسبة إلى المشتريات التي تقل قيمتها عن 500 بيزو (نحو 30 دولاراً)، يقول نحو 85 % من المكسيكيين إنهم يستخدمون النقد في الغالب.

وتخشى الشركات والعمال العاملون في القطاع غير الرسمي الاضطرار لدفع الضرائب إذا تمت المدفوعات عبر النظام المصرفي، في حين يمكن أن تكلف معاملات البطاقات الشركات الصغيرة ما بين 2 و4% من قيمة كل عملية بيع.

لكن الاعتماد على البيزو النقدي يمثل ظاهرة غير معتادة بالنسبة لاقتصاد معقد من الاقتصادات ذات الدخل المتوسط، وهو في الوقت نفسه أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة.

وللنظام الحالي سبب، فالنقد يتيح التهرب الضريبي والفساد والجريمة. ووفقاً للائحة اتهام أمريكية حديثة، كانت الرشى الشهرية التي يزعم أن تنظيم «كارتل سينالوا» الإجرامي يدفعها لعدد كبير من المسؤولين الحكوميين تدفع من صندوق كبير مملوء بالنقد.

والسياسيون من أكثر مستخدمي النقد حماساً، إذ يقول خبراء تمويل الحملات الانتخابية إن جزءاً ضئيلاً فقط من التبرعات يتم الإعلان عنه رسمياً.

وبعد فشل محاولات سابقة، تقول الحكومة الحالية إنها تستعد لدفع الاقتصاد نحو التحول الرقمي بصورة جادة. وقد عهدت الرئيسة كلوديا شينباوم لأحد أقرب مستشاريها، خوسيه أنطونيو بينيا ميرينو، بتنسيق خطة تهدف للتوسع في استخدام المدفوعات الرقمية. ويقول هو وآخرون إنها تريد أن يكون ذلك جزءاً من إرثها.

وقال في مقابلة: «كانت الرئيسة تفكر في هذا الأمر منذ البداية، منذ المرحلة الانتقالية. وفي عام 2027، سيجري ما لا يقل عن 50% من البالغين عملية دفع رقمية واحدة على الأقل. وأعتقد بصراحة أن النسبة ستكون أعلى من ذلك.. وفي النهاية، إذا قدمت منتجاً يحل مشكلة، فسيتم اعتماده».

لكن هناك أسباباً تدعو إلى التشكيك. فمنذ سبع سنوات، أطلق البنك المركزي منصة «كودي» للمدفوعات، التي تشبه منصة «بيكس» البرازيلية ذائعة الانتشار. لكن المستهلكين بالكاد لاحظوا وجودها، إذ لم تروج لها البنوك والشركات، كما كانت تجربة المستخدم معقدة وغير سلسة.

وقال بينيا ميرينو: إن فريقه درس نموذجين من أنجح التجارب في العالم، وهما «واجهة المدفوعات الموحدة» (UPI) في الهند و«بيكس» في البرازيل.

وفي الحالتين، انخفض استخدام النقد بصورة حادة وحلت محله مدفوعات مجانية مباشرة من حساب لآخر، ما أدى للاستغناء عن رسوم البطاقات.

وتتضمن خطة شينباوم مكونات عدة، بينها تبسيط منصة «كودي» والترويج لها. وتشجيع الشركات غير الرسمية على فتح نوع جديد من الحسابات المصرفية عبر الإنترنت لا يرتبط برقم التعريف الضريبي. كما دفعت باتجاه إلزام محطات الوقود وأكشاك تحصيل رسوم الطرق بقبول المدفوعات الرقمية.

ويشرف بينيا ميرينو، الذي تولى رقمنة جزء كبير من حكومة العاصمة، عندما كانت شينباوم تشغل منصب العمدة، على وكالة اتحادية جديدة للتحول الرقمي والاتصالات، تتمتع باختصاصات واسعة.

وقال: إن برامج المساعدات الاجتماعية الحكومية تمثل نقطة انطلاق واضحة. وستوزع الحكومة هذا العام نحو تريليون بيزو (57.3 مليار دولار)، يذهب معظمها لكبار السن والطلاب وذوي الإعاقة.

وبموجب قواعد جديدة للبنك المركزي، يجب على جميع البنوك في البلاد اعتماد تجربة مستخدم موحدة لمنصة «كودي» بحلول نهاية العام، مع إتاحة خيارات استخدام أرقام الهواتف وأسماء المستخدمين لإرسال المدفوعات.

ويقول القطاع المصرفي إنه يؤيد الخطة. وقال إيميليو رومانو، رئيس الجمعية المصرفية المكسيكية: «إنها نقطة البداية للحد من الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين الإنتاجية، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتعزيز الشمول المالي، بل وحتى خفض معدلات الجريمة».

وسيتوقف نجاح السياسة على مدى جودة تجربة «كودي» الجديدة، وعلى ما إذا كان القطاع غير الرسمي في المكسيك، الذي يمثل أكثر من نصف القوة العاملة، سيقتنع بأن فوائد التحول إلى المدفوعات الرقمية تفوق مخاوفه من أن يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إخضاعه للضرائب.

وتتقدم بعض الشركات الكبرى بالفعل في هذا الاتجاه. فمتاجر «تيينداس 3 بي» لبيع السلع بأسعار مخفضة، والتي تتوسع سريعاً، تختبر متاجر تقبل النقد و«كودي» فقط، بهدف الاستغناء عن رسوم البطاقات.

وقال بينيا ميرينو: إن الحكومة تجري محادثات مع شركات مثل «بيبسي» و«جروبو موديلو» وغيرها من الشركات التي تزود المتاجر الصغيرة بالسلع، لتوسيع نطاق المدفوعات الرقمية. وتمتلك هذه الشركات عمليات معقدة للغاية، وأحياناً محفوفة بالمخاطر، لنقل النقد في مناطق متفرقة من المكسيك.

وقال: «إنها تصل إلى أماكن يكاد لا يصل إليها أحد غيرها».

لكن المفارقة هي أنه إذا نجحت المكسيك في ذلك، فقد تواجه مشكلة من نوع مختلف. فقد فرضت إدارة ترامب هذا العام رسوماً جمركية على البرازيل، جزئياً بحجة أن منصة «بيكس» لديها عاملت شركات المدفوعات الأمريكية بصورة غير عادلة.

لكن نظراً إلى المشكلات التي يمثلها النقد حالياً، فقد تكون تلك مخاطرة المكسيك مستعدة لتحملها.