هل الذكاء الاصطناعي كبش الفداء لتسريح الموظفين؟

كلارا موراي

عملت ليندسي في «أوراكل» لأكثر من عقد، وكانت «شغوفة للغاية» بعملها بوصفها خبيرة استراتيجيات. لذا، عندما وصلتها ذات صباح رسالة بريد إلكتروني تخبرها أن وظيفتها بين 21 ألف وظيفة ألغتها الشركة هذا العام لزيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، كان الخبر بالنسبة إليها «أمراً غير معقول».

وقالت ليندسي، التي طلبت عدم استخدام اسمها الحقيقي بسبب نزاع قانوني مستمر مع شركتها السابقة: «كان يطلب منا، بل كان يضغط علينا، للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، كانوا يستخدموننا لتدريب شيء سيحل محلنا في نهاية المطاف».

ولم ترد «أوراكل» على طلب للتعليق. وهي واحدة من عشرات الشركات الكبرى التي أرجعت عمليات التسريح الجماعي للموظفين إلى الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الثلاث الماضية.

وبحسب شركة «تشالنجر، جراي آند كريسماس» المختصة في خدمات إعادة توظيف التنفيذيين، فقد ارتبطت خسارة أكثر من 180 ألف وظيفة في الشركات بالذكاء الاصطناعي منذ مايو 2023، بينها 112 ألف وظيفة في عام 2026 وحده.

وأظهرت بيانات الشركة أيضاً أن السبب الأكثر شيوعاً بين الشركات لخفض الوظائف في يوليو كان الذكاء الاصطناعي، وذلك للشهر الخامس على التوالي.

ومن بين الشركات الكبرى التي أرجعت، بشكل كلي أو جزئي، قرارات خفض الوظائف خلال الأشهر الـ12 الماضية للذكاء الاصطناعي، «سيلزفورس» و«لوفتهانزا» و«أكسنتشر» و«ستاندرد تشارترد».

وقد أسهمت هذه الإعلانات في زيادة المخاوف بشأن تأثير التكنولوجيا على التوظيف، خصوصاً في القطاعات الأكثر تعرضاً لها، مثل هندسة البرمجيات والتسويق ووظائف المبتدئين.

لكن الاقتصاديين وخبراء سوق العمل يحثون على توخي الحذر عند تفسير الظاهرة قبل اعتبارها بداية موجة عاتية من البطالة. ويرى كثيرون أن هناك عوامل أخرى، إلى جانب إحلال الآلات محل العمال على نطاق واسع.

ويقول الخبراء إن لدى الشركات حوافز قوية لتقديم خفض الوظائف على أنه بسبب مكاسب إنتاجية الذكاء الاصطناعي، بدلاً من إعلان الأسباب الاعتيادية، مثل ضعف الأداء المالي، أو إعادة الهيكلة، أو التركيز على مجالات أكثر ربحية.

على سبيل المثال، شملت عملية خفض «ميتا» لنحو ألف وظيفة في يناير موظفين في قسم «الميتافيرس»، في الوقت الذي تعيد فيه شركة التكنولوجيا توجيه التمويل نحو قطاع الذكاء الاصطناعي.

وقال كارل-بنديكت فري، الأستاذ المشارك في «الذكاء الاصطناعي والعمل» بمعهد «أكسفورد» للإنترنت «لم أر أدلة مقنعة على أن هذه الشركات تعمل على أتمتة قدر كبير من الأعمال». ويرى بدلاً من ذلك أن العديد من إعلانات خفض الوظائف هي محاولة «لإبهار» المستثمرين. وأضاف: «لا أعتقد أن الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي هي القصة الأساسية هنا».

وسرحت شركات برمجيات الكثير من الموظفين بعد تضرر أسهمها نتيجة موجة بيع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي هذا العام، وتسعى حالياً لإعادة توجيه أعمالها نحو هذه التكنولوجيا.

وقالت «أتلسيان» في مارس: إن إلغاء 1600 وظيفة «سيمول ذاتياً مزيداً من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي»، بينما أعلنت شركة البرمجيات «أوتودسك» في يناير إلغاء ألف وظيفة، معظمها في قطاع المبيعات، وقالت إنها ستعيد توجيه استثماراتها نحو الذكاء الاصطناعي.

واستفادت شركات عدة من ارتفاع أسعار أسهمها بشكل كبير عقب الإعلان عن استراتيجياتها الجديدة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي وخفض أعداد موظفيها، بينها «بلوك» و«سيسكو».

إلا أن تحليلاً أجرته «فاينانشيال تايمز» وجد أن المستثمرين لم يكافئوا دائماً الشركات التي خفضت الوظائف. فقد أسفر أقل من نصف إعلانات خفض الوظائف خلال العام الماضي عن ارتفاع سعر السهم في اليوم التالي.

كما أن الشركات التي ذكرت التكنولوجيا بوصفها عاملاً في قرارات خفض الوظائف سجلت أداءً يقل بنحو 10 نقاط مئوية عن مؤشر «ناسداك» خلال جلسات التداول الثلاثين التي أعقبت الإعلان.

ووجد تحليل حديث أجراه «مختبر الميزانية» في جامعة «ييل» أنه رغم ارتفاع تسريح الموظفين في قطاع المعلومات الأمريكي، الذي يشمل شركات الإعلام والتكنولوجيا، منذ ديسمبر 2025، أنه لم يكن ممكناً ربط ذلك مباشرة بالذكاء الاصطناعي.

وخلصت مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس» البحثية في يناير إلى أن الأدلة على فقدان وظائف بسبب الذكاء الاصطناعي «متفاوتة»، وأشارت إلى عدم وجود تسارع في نمو الإنتاجية، وهو ما كان يفترض ظهوره إذا كانت أعداد كبيرة من الوظائف خضعت للأتمتة.

ويتوقع المسؤولون التنفيذيون الذين شملهم استطلاع في أمريكا وأوروبا أن يؤدي الذكاء الاصطناعي لخفض أعداد الموظفين بنسبة 0.7% فقط خلال السنوات الثلاث المقبلة، وفقاً لورقة بحثية صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في فبراير.

ووجدت ورقة بحثية أخرى نشرت العام الجاري أن الشركات التي استخدمت الذكاء الاصطناعي بأعلى كثافة وظفت عدداً من العاملين يزيد بنسبة 10% عما كان عليه قبل تبنيها لهذه التكنولوجيا.

لكن ذلك لا يعني أن الذكاء الاصطناعي لن يعيد تشكيل سوق العمل. فهناك بيانات تشير إلى أنه بدأ بالفعل يؤثر في بعض المجالات. فقد أظهر تحليل أجراه «مختبر الاقتصاد الرقمي» في جامعة «ستانفورد» أن الوظائف المخصصة للمبتدئين شهدت تراجعاً حاداً في معدلات التوظيف.

وترى كيت ليجيت، المحللة في «فورستر»، أن وظائف خدمة العملاء تتعرض بالفعل للضغط، مشيرة إلى أن قرار «سيلزفورس» إلغاء 4 آلاف وظيفة في دعم العملاء في سبتمبر الماضي يعد مثالاً.

وحتى عندما لا يؤدي الذكاء الاصطناعي مباشرة لإلغاء الوظائف، فإنه قد يدفع الشركات لمزيد من الحذر في التوظيف.

وتقول ليزا سيمون، كبيرة الاقتصاديين في شركة «ريفيلو لابس» لبيانات سوق العمل: «أعتقد أن الذكاء الاصطناعي وراء قدر كبير من تراجع التوظيف الذي نشهده».

وأوضحت «لأن الموظفين أصبح بإمكانهم إنجاز المزيد بموارد أقل، تمكنت الشركات من تجنب التوظيف بالمعدلات المعتادة، لكنني ببساطة لا أعتقد أن إعلانات تسريح الموظفين الكبرى هذه تعكس الصورة الحقيقية».

أما ليندسي، فقد وجدت أن العودة إلى سوق العمل للمرة الأولى منذ سنوات تمثل تحدياً. وقالت: «السوق يغص بالمرشحين، والعملية برمتها فوضوية، وبرامج فرز طلبات التوظيف بالذكاء الاصطناعي أمر جنوني، فأنت لا تعرف أبداً ما هي معايير الفرز». وتضيف: «والمؤلم حقاً أنني مضطرة إلى التعاون مع الذكاء الاصطناعي لتخصيص سيرتي الذاتية».