كاتي مارتن
بدأت أحدث جولة من الصراع الذي يخوضه سكوت بيسنت وزير الخزانة الأمريكي في سوق السندات يوم الأربعاء، بإعلان وزارة الخزانة الأمريكية.
في خطوة غير معلن عنها سلفاً، أنها ستضاعف وتيرة إعادة شراء سنداتها طويلة الأجل. وإعادة شراء السندات في حد ذاته إجراء مالي اعتيادي إلى حد كبير، لكن خبراء سوق السندات توقفوا عند بعض التفاصيل.
أولها أن الخطوة جاءت مفاجئة، والتنبؤ الدقيق بما ستفعله الحكومة هو أساس التعامل مع سوق السندات الحكومية الأمريكية، الوحش الذي تبلغ قيمته 32 تريليون دولار، خصوصاً بالنسبة للسندات الأطول أجلاً. ومستثمرو السندات لا يحبون المفاجآت، وغالباً ما يقرأون إجراءات الدعم باعتبارها إقراراً بأن شيئاً ما قد تعطل في مكان ما.
أما الأمر الآخر فهو السياق، إذ إن هذه الخطوة ليست سوى أحدث مفاجأة ضمن سلسلة مفاجآت قام بها بيسنت في أهم سوق مالية في العالم. فمنذ ثلاثة أسابيع فقط، تدخل، على نحو غير متوقع، في سوق الين الياباني، فاشترى العملة لدعمها في ما جرى تقديمه باعتباره عملاً ودياً للتضامن مع حليف يواجه أزمة.
وقد لا تكون الصلة بسندات الخزانة واضحة للوهلة الأولى، لكن المطّلعين على سوق السندات لا يصدقون تفسير «الأصدقاء الذين يساعدون الأصدقاء».
وبدلاً من ذلك، يرون أن الخطوة تهدف إلى منع اليابان من معالجة مشكلة الين لديها من خلال بيع مخزونها الهائل من الديون الأمريكية. وكانت المفارقة الأبرز أن بيسنت قال إن أي تدخلات مستقبلية لدعم الين ستستخدم آلية غير معتادة على الإطلاق، صممت تحديداً لتجنب البيع الفوري لسندات الخزانة.
وهكذا، وللمرة الثالثة على الأقل خلال ثلاثة أسابيع، بعث بيسنت إلى المستثمرين رسالة مفادها: من فضلكم، توقفوا عن بيع سنداتي. لكنهم يواصلون بيعها على أي حال، ما دفع تكاليف الاقتراض إلى مستويات استثنائية، في الأسبوع نفسه الذي تجاوز فيه الدين الوطني الأمريكي للمرة الأولى حاجز 40 تريليون دولار.
والأسوأ من ذلك أن المستثمرين بدأوا الآن ببيع العملة أيضاً، فقد تلقى الدولار ضربة قوية بعد إعلان برنامج إعادة شراء السندات، ولم يتمكن منذ ذلك الحين من استعادة خسائره.
وكان رد بيسنت هو تقديم مزيد من الدعم للسندات طويلة الأجل، والإيحاء بأن النمو الاقتصادي المتسارع سيبدد كل هذه الديون بطريقة سحرية، وإبلاغ سوق السندات بأنها مخطئة وأن أسعارها لا تعكس أساسيات الاقتصاد. وسيرغب المستثمرون بشدة في رؤية تعهده بتشديد الإنفاق المالي يتحول سريعاً إلى نتائج ملموسة.
ومن المهم أن نضع في الاعتبار أن ظروف التداول الضعيفة المعتادة في أغسطس تؤدي إلى تضخيم مختلف الضغوط. وهناك أيضاً بعض التشوهات غير المعتادة، من بينها تأثير الإصدارات الضخمة من الديون طويلة الأجل التي تطرحها شركات التكنولوجيا الكبرى، والتي تستقطب الأموال بعيداً عن ملاذها المعتاد في الديون الحكومية العالمية.
ويقول المستثمرون إن بعض الحكومات المقترضة في أوروبا اضطرت حتى إلى تغيير توقيت إصداراتها لتجنب تأثير هذه الصفقات الضخمة لشركات التكنولوجيا. وقد يشهد الاندفاع السنوي لإصدار سندات جديدة في سبتمبر اضطرابات كبيرة.
وبصرف النظر عن هذه العوامل التفصيلية، يدرك المستثمرون أن السوق التي تشهد ضعفاً في سنداتها وعملتها في الوقت نفسه تواجه وضعاً بالغ الصعوبة. فهذا المزيج يعكس تراجعاً واسعاً في الثقة. ويحالف الحظ بيسنت في أن أسواق الأسهم، حتى الآن، ظلت بمنأى عن تداعيات ذلك، بفضل الأرباح القوية التي حققتها الشركات الأمريكية.
لكن علينا أن نتذكر أن سندات الخزانة والدولار هما أبرز أصول الملاذ الآمن في العالم، بحكم العادة والتاريخ، وهما الملاذان اللذان يلجأ إليهما المستثمرون في أوقات التوتر.
أما الآن، فإن الضغوط تدفعهما إلى الهبوط، في حين يرتفع الذهب والفرنك السويسري مع بحث المستثمرين عن ملاذات أخرى. ومع تراجع الثقة في قدرتها على أداء دور الملاذ الآمن بدأت الشقوق، التي ظهرت منذ فترة طويلة في مكانة الأصول الأمريكية الأساسية، تتسع.
ويبتسم المختصون في الأسواق الناشئة ابتسامة ساخرة، وهم لا يزالون يحملون ندوب الصراع الذي خاضته تركيا مع أسواق السندات والعملات لديها قبل نحو عشر سنوات.
أما المخضرمون في سوق السندات الحكومية البريطانية، الذين ما زالت تطاردهم كارثة ليز تراس عام 2022، فقد بدأت سندات الخزانة الأمريكية تبدو لهم شبيهة بالسندات الحكومية البريطانية، ولكن في بدلة باهظة الثمن وبأسنان سليمة.
وحتى الآن، يتم تفسير المؤشرات الأمريكية على القوة باعتبارها تعبيراً عن الضعف. وهذا أمر مؤسف. فإذا واصلت عوائد سندات الخزانة ارتفاعها، فسينتهي الأمر بدول أخرى إلى دفع تكاليف أعلى للاقتراض أيضاً.
وهذا يعني أن المهمة ستقع على عاتق كيفن وورش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لمحاولة إعادة الاستقرار إلى السفينة خلال ندوة جاكسون هول الاقتصادية التي ستعقد بعد أيام.
وستكون هذه مهمة صعبة لأي شخص، لكنها ستكون أكثر صعوبة بالنسبة إلى شخص يفضل، كما هو معروف عنه، أن يقول أقل ويترك للأسواق، التي يقول بيسنت إنها لا تعمل على نحو سليم، القيام بالمهمة نيابة عنه.
ويزيد الأمر صعوبة أن سندات الخزانة الأمريكية تتصرف حالياً على نحو أقرب إلى السندات الحكومية البريطانية منها إلى سندات قوة عظمى صلبة وموثوقة. وأي إشارة إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يمثل عادة دفعة إيجابية لسندات الخزانة، قد يؤدي، في هذا الواقع الجديد، إلى مزيد من إضعاف السندات، حتى لو أسعد ذلك الرئيس دونالد ترامب.
إن المحاولة الجارية اليوم لفرض السيطرة على الأسواق وإخبارها بأنها مخطئة لا تحقق النتيجة المرجوة. وبصراحة، لم تنجح هذه الطريقة يوماً. المطلوب بشدة هو تصحيح للمسار يعيد ترسيخ الثقة.