أوروبا تستطيع تكييف الهواء أفضل من أمريكا

كارلو راتي

هذا الصيف، ومع وصول درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في أنحاء أوروبا، ارتفع لحن مألوف إلى حد الصمم وهو: على القارة أن تتخلى عن مقاومتها لتكييف الهواء، وأن تحذو حذو الولايات المتحدة.

ومن الصعب تجاهل هذا المنطق؛ فالحرارة لا تستنزف الإنتاجية فحسب، بل تعطل العمل والحياة المنزلية. وقد تكون قاتلة بالنسبة إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر. لكن على أوروبا أن تفكر ملياً قبل أن تتبنى على نطاق واسع نظام «الصناديق التي تقطر ماءً» القائم بالفعل. فهناك وسائل أفضل بكثير لتبريد القارة.

تعود أصول هذه «الصناديق التي تقطر ماءً» والمثبتة على المباني في أنحاء العالم إلى عام 1902، عندما صنع مهندس شاب يدعى ويليس كاريير أول «جهاز لمعالجة الهواء» لمطبعة في بروكلين.

ومنذ ذلك الحين، تكرر تركيب هذه الأجهزة ملايين المرات على المباني والأسطح. رغم ذلك، ظل المبدأ الأساسي متشابهاً إلى حد التطابق تقريباً. ثلاجة تعمل بصورة معكوسة، تطرد الهواء الساخن إلى الخارج، بينما تجلب برودة محببة إلى الداخل.

لكن لهذا المبدأ مشكلة. فهو لا يخفض الحرارة بقدر ما ينقلها، إذ يدفعها من داخل المباني إلى الشوارع. والشوارع الأكثر حرارة تعني حاجة أكبر إلى التبريد، ما يؤدي بدوره لإنتاج مزيد من الحرارة. وكلما ارتفعت درجات الحرارة، اضطر النظام إلى العمل بجهد أكبر.

والسبيل للخروج من هذه الحلقة هو تبادل الحرارة مع الأرض أو المياه بدلاً من ذلك. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تم بناء كثير من المدن الكبرى حول البحيرات أو الأنهار أو البحار، إذ تعمل المياه بمثابة خزان حراري يحافظ على درجات الحرارة مستقرة نسبياً على مدار العام.

ويمكن لأنظمة التكييف الحالية أن تعمل على مستوى المبنى الواحد. لكن استخدام المياه لتخزين الحرارة الفائضة يمكن أن يتيح أيضاً توسيع نطاقها لتشمل أحياء بأكملها. وتعد شبكة Fraîcheur de Paris من أكبر شبكات تبريد المناطق في العالم، واسمها يبدو كأنه اسم عطر فرنسي فاخر:

وعد بالانتعاش توفره مياه مستمدة من نهر السين. وهناك نظام آخر آخذ في التوسع في جنيف، يستخدم مياه بحيرة المدينة، رغم مشكلة بلح البحر التي تم الحد منها باستخدام كاشطات ميكانيكية لتنظيف الأنابيب.

وبدلاً من وجود ملايين أنظمة التكييف الخاصة التي تتنافس على الكهرباء وتضخ الحرارة المهدرة إلى الخارج، يمكن للمدينة أن تدير الطاقة الحرارية بالطريقة نفسها التي تدير بها المياه أو الكهرباء، من خلال شبكة مشتركة.

والمياه قادرة على فعل أكثر من مجرد التخلص من الحرارة. ففي بعض الأنظمة المتقدمة، تعمل المياه بمثابة نوع من «البطارية الحرارية». فعندما تكون الكهرباء رخيصة ومتوافرة بكثرة، يتم تبريد المياه وتخزينها، وعندما تبلغ درجات الحرارة ذروتها، يتم إطلاق البرودة المخزنة. ويساعد ذلك على تخفيف الضغط عن شبكات الكهرباء التي ترهقها أنظمة تكييف الهواء.

لكن لا شيء من ذلك يمثل حلاً كاملاً. فلكل نظام تبريد حدوده، كما يمكن للمباني أن تتولى جزءاً كبيراً من مهمة التبريد من خلال استخدام زجاج أفضل وأنظمة تهوية أكثر كفاءة، إلى جانب التظليل في المواقع المناسبة والأسطح العاكسة.

وللأشجار أهمية أيضاً. فقد أظهرت أبحاث، من بينها أبحاث أجريناها بالتعاون مع مؤسسة دبي للمستقبل، أن الأشجار يمكن أن تخفض درجات الحرارة على مستوى الشوارع بصورة ملموسة.

ومن ثم، فإن الحل الأفضل هو نظام هجين ويعمل بشكل متناغم في الوقت الفعلي، مزود بأجهزة استشعار تراقب درجات الحرارة ونسب الإشغال وحجم الطلب، وخوارزميات تحدد متى ينبغي أن يبدأ التبريد وكيفية تخزينه وتوزيعه بما يتزامن مع حالة شبكة الكهرباء.

وبهذه الطريقة، يمكن أن يتحول تبريد الهواء إلى قطاع تنافسي جديد. فالهندسة المتقدمة لا تزال أحد المجالات التي تتمتع فيها أوروبا بقوة حقيقية، بعد كل شيء، مع وجود شركات مثل Danfoss وBosch وSchneider Electric وSaint-Gobain.

ابتكر كاريير طريقة لتبريد المباني الفردية، وسار العالم وراءها. أما الآن، فلدى أوروبا فرصة لفعل شيء مختلف وأكثر طموحاً. ويمكن لـ Fraîcheur de Paris أن تتحول إلى شركة عالمية. وهذا ليس حلاً بديلاً لقارة تحاول اللحاق بالركب، بل نظاماً مصمماً لقرن ترتفع فيه درجات الحرارة، ويتزايد فيه الطلب على التبريد باستمرار.

أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وبوليتكنيكو دي ميلانو