الأسواق تحتاج إلى أدوات جديدة لفهم تحركاتها

وي لي

تبدو التحركات الأخيرة في الأسواق كأنها تطرح أمامنا لغزين. الأول يتعلق بالارتباط بين الأصول. فقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية بقوة.

كما وصلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً الشهر الجاري إلى أعلى مستوى لها في 19 عاماً، متجاوزة 5.30%.

رغم ذلك، واصلت أسواق الأسهم صعودها، إذ لا يبعد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلا بنسبة طفيفة عن المستويات القياسية التي سجلها في وقت سابق من الشهر.

وعادة، يفترض أن تؤدي الزيادة في عوائد السندات الحكومية إلى الضغط على الأسهم، لأنها ترفع تكلفة رأس المال ومعدلات الخصم المستخدمة في تقييم الأرباح المستقبلية.

بالمثل، عندما تتعرض أسواق الأسهم للضغط، يتوقع المستثمرون عادة انخفاض عوائد السندات مع توجههم إلى السندات الحكومية، التي ترتفع أسعارها نتيجة لذلك. لكن هاتين العلاقتين أصبحتا أقل موثوقية في الآونة الأخيرة.

أما اللغز الثاني فيتعلق بالتقييمات، حيث يفترض أن توفر الأسهم عائداً أعلى مقارنة بالسندات الحكومية، لأن أرباح الشركات تنطوي بطبيعتها على مخاطر أكبر.

لكن مع اقتراب عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من 4.70%، تبدو الأسهم مرتفعة التكلفة بصورة غير معتادة مقارنة بسندات الخزانة وفقاً للمعايير التاريخية، عند النظر إلى عائد الأرباح، الذي يحسب بقسمة ربحية السهم على سعره.

ويرى البعض في كل ذلك معضلة، وخلصوا إلى أن أحد الأسواق لا بد أن يكون مخطئاً. فإما أن السندات رخيصة أكثر من اللازم، أو أن الأسهم مرتفعة أكثر من اللازم، أو أن المستثمرين توقفوا ببساطة عن التفكير بمنطق.

لكن هناك احتمالاً آخر، وهو أن الأسواق تتصرف بعقلانية، وأن المشكلة في مراقبي الأسواق الذين لا يزالون يستخدمون إطاراً للاقتصاد الكلي صمم لاقتصاد الأمس، لتفسير ما يحدث اليوم.

كان عصر «الاعتدال العظيم»، الذي امتد تقريباً من ثمانينيات القرن الماضي إلى عام 2020، حقبة تقودها عوامل الطلب.

فقد أدت العولمة وصعود الصين وسلاسل الإمداد التي أصبحت أكثر كفاءة إلى أن يواكب المعروض الطلب. وكانت فترات الرواج تغذيها سهولة الائتمان وارتفاع الثقة وقوة الإنفاق، فيما كانت حالات الركود تأتي نتيجة العكس.

وبما أن دورات الأعمال كانت تتشكل بدرجة كبيرة بفعل تقلبات الطلب، وليس بفعل القيود المفروضة على الإنتاج، كان بإمكان البنوك المركزية تخفيف حدة فترات التباطؤ بخفض أسعار الفائدة.

ومع انخفاض أسعار الفائدة، كانت عوائد السندات تتراجع وترتفع أسعارها، بما يساعد على تعويض الخسائر في الأسهم.

لكن بيئة الاستثمار تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الخمس الماضية. فلم يعد المعروض يواكب الطلب بالطريقة التي كان يفعلها في السابق.

فقد أصبحت العمالة أكثر ندرة، فيما تحول أمن الطاقة إلى أولوية استراتيجية. كما يجري إعادة تشكيل سلاسل الإمداد لتعزيز قدرتها على الصمود، بدلا من التركيز على الكفاءة وحدها.

وتنفق الحكومات مبالغ ضخمة على الدفاع والبنية التحتية والسياسات الصناعية. كما أن شيخوخة السكان والتوترات الجيوسياسية والتحول في قطاع الطاقة كلها عوامل تجعل زيادة المعروض أكثر صعوبة.

ولا يزال الطلب مهماً، لكن قدرة الاقتصاد على النمو أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على زيادة الإنتاج، وليس مجرد زيادة الإنفاق.

ولم يعد التضخم ينخفض ببساطة لمجرد تباطؤ النمو. فالبنوك المركزية تستطيع خفض الطلب، لكنها لا تستطيع إنتاج المزيد من الكهرباء أو العمالة أو أشباه الموصلات.

وهذا يغير العلاقة بين الأسهم والسندات. فما يبدو وكأنه انهيار في الارتباط التاريخي بينهما قد يكون ببساطة انعكاساً لنظام اقتصادي كلي مختلف.

ويبقى مع ذلك السؤال المتعلق بالتقييمات، فكثير من النقاش الدائر اليوم يفترض أن ارتفاع العوائد يعكس تشديد السياسة النقدية أو ارتفاع الطلب إلى مستويات تفوق قدرة الاقتصاد.

لكن العوائد الحالية تعكس بصورة متزايدة شيئاً مختلفاً أيضاً، وهو ارتفاع هيكلي في تكلفة رأس المال في عالم تحكمه ندرة المعروض.

وقد تسارع التوسع في استثمارات الذكاء الاصطناعي، انطلاقاً من موجة استثمارية كانت بالفعل الأسرع في التاريخ. في الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع الاقتراض الحكومي لزيادة المنافسة على رأس المال.

ومؤخراً، أضافت المخاوف من اتساع العجز الأميركي، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن كيفية استجابة مجلس الاحتياطي الفيدرالي لتكرار موجات التضخم الناجمة عن قيود جانب المعروض، مزيداً من الضغوط التي دفعت عوائد السندات طويلة الأجل إلى الارتفاع.

لكن ارتفاع تكاليف الاقتراض لا يعني بالضرورة إضعاف الأسهم إذا كان مدفوعاً بموجة استثمارية تسهم في الوقت نفسه في رفع الإنتاجية على المدى الطويل وتعزيز توقعات الأرباح. بل إن أسواق الأسهم تسعر بالفعل عوائد مستقبلية تعكس هذا السيناريو تحديداً:

إنتاجية أقوى، وأرباحاً للشركات يمكن أن تظل أعلى من مستوياتها التاريخية، واقتصاداً قادراً على تجاوز اتجاه نموه طويل الأجل. بعبارة أخرى، يراهن المستثمرون في الأسهم على أحد أكبر الرهانات على الاقتصاد الكلي في التاريخ.

وبالنسبة إلى المستثمرين الذين ينظرون إلى محافظهم الاستثمارية، لم تعد السندات الحكومية توفر الحماية المتوازنة والموثوقة نفسها التي كانت توفرها خلال عصر «الاعتدال العظيم».

لكن السندات عادت مرة أخرى لتدر دخلاً جذاباً من دون أن تضطر المستثمرين إلى تحمل مخاطر مفرطة في الائتمان أو التعرض بشكل كبير لتقلبات أسعار الفائدة. كما أن الدخل المتحقق من الأسهم سيكون مهما أيضاً.