تبعات جسيمة لفقد الولايات المتحدة جاذبيتها الاستثمارية عالمياً

روبرت آرمسترونج

عندما نتطرق إلى الهيمنة المالية الأمريكية، غالباً ما يتجه التركيز نحو الدولار، حيث تظل قدرة نظام الدولار على الصمود مثار تكهنات مستمرة، غير أن هناك زاوية أكثر دقة لإعادة صياغة هذا المشهد.

تتجسد في دور الولايات المتحدة بوصفها الوجهة الاستثمارية التي لا غنى عنها عالمياً، إذ تنجذب المدخرات العالمية نحو السوق الأمريكية وكأنها تخضع لقوة الجاذبية، لتتراكم في أسهمها وسنداتها وتوفر للاقتصاد الأمريكي دعماً جوهرياً.

وإذا ضعفت قوة هذه الجاذبية، فستكون التبعات جسيمة، فالركائز الأساسية للاقتصاد الأمريكي اليوم، وهما الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مرتهنان بسوق الأسهم.

ويتلقى الاستهلاك دفعة قوية من «أثر الثروة» الناجم عن انتعاش محافظ التقاعد. في حين لا يمكن استمرار طفرة مراكز البيانات إلا إن حافظت أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة على موافقة السوق وتأييده.

وغني عن القول إن تراجع الطلب العالمي على سندات الخزانة وما يرافقه من ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي قد يعصف بآفاق مالية قائمة أصلاً على أرضية هشة.

وعلى مدار العقدين الماضيين، تفوقت أسواق الأسهم الأمريكية بفارق شاسع على نظرائها. فمنذ قاع الأزمة المالية العالمية، حققت الأسهم الأمريكية عوائد سنوية قاربت 17%، متجاوزة بكثير أسواق أوروبا واليابان والدول الناشئة والصين.

غير أن المشهد بدأ يتغير مؤخراً. فخلال العامين الماضيين، أصبحت عوائد الأسهم العالمية مقاربة لنظيرتها الأمريكية بل وتفوقت عليها في بعض الأحيان، خاصة عند تقييمها بالعملات المحلية.

في الوقت نفسه، تعرضت سندات الخزانة لضغوط مكثفة هذا الصيف، حيث اقتربت عائدات السندات طويلة الأجل من الحد الأقصى لنطاق التداول المسجل منذ موجة التضخم عامي 2021 و2022، بل وتجاوزته في بعض الأحيان.

فما الذي يحدث بالفعل؟ بالنسبة للأسهم، ثمة حالة من عدم الارتياح تجاه صفقات الذكاء الاصطناعي التي كانت قبل عامين فقط وجهة كل القوارب في السوق.

ورغم أن المستثمرين لا يستطيعون تحمل كلفة الابتعاد الكامل عن هذا القطاع، إلا أنه لا توجد سيولة جديدة تكفي لدفع الأسواق إلى الخروج من نطاق التداول الضيق الذي حصرت فيه طوال الصيف.

وقد تكون التقييمات المرتفعة للأسهم الأمريكية قد بدأت تشكل ضغطاً إضافياً أيضاً. أما بالنسبة لسندات الخزانة، فإن قسوة الوضع المالي وتجاهل الكونجرس وإدارة ترامب له، باستثناء بعض التحسينات الشكلية عديمة الفائدة من قبل وزير الخزانة.

قد نبهت أخيرا أذهان مستثمري أوراق الدين. وسواء ظهر ذلك في صورة تضخم، أو تراجع في قيمة الدولار، أو عبر تسويات أخرى، فإن الموازنة ستدفع ثمن هذا العجز المالي لا محالة.

بالطبع، لن يكون هناك خروج جماعي مفاجئ من الأصول الأمريكية، تماماً كما لا يمكن تصور تخلي جماعي عن الدولار.

فهذه الأصول ببساطة ضخمة للغاية وتتمتع بتفوق هيكلي يضعها في مرتبة أعلى من كافة البدائل، فعلى صعيد أسهم الشركات، تمتلك الولايات المتحدة مزيجاً من المقومات الفريدة التي يصعب على أي دولة أخرى منافستها:

جامعات مرموقة، ونظام قانوني موثوق، وأطر تنظيمية مخففة نسبيا، ووفرة في مصادر الطاقة، وسوق محلية ضخمة، إلى جانب تركيبتها الديموغرافية الجذابة مقارنة بغيرها.

وهذه المقومات ستستمر حتى لو انطفأت شعلة الذكاء الاصطناعي ومنيت أسواق الأسهم بتصحيح حاد. فضلاً عن ذلك، عندما تفقد سندات الخزانة جاذبيتها، قد يرتفع الطلب بالمقابل على أسهم وسندات الشركات.

فهل يعني ذلك تقليص الانكشاف على سندات الخزانة ومضاعفة الرهان على الأسهم الأمريكية؟ ليس بهذه السرعة؛ فالأصول العامة والخاصة مترابطة بأكثر من وجه.

بشكل أساسي، كلما انخفضت أسعار سندات الخزانة وارتفعت العوائد الاسمية والحقيقية المعدلة حسب التضخم، يرتفع معدل الخصم على التدفقات النقدية المستقبلية للأسهم، ما يضرب في مقتل تقييم أسهم التكنولوجيا الباهظة الثمن التي تدعم السوق الأمريكية.

يضاف إلى ذلك أن الشركات التكنولوجية العملاقة، من «ألفابت» إلى «أوراكل»، تنتقل إلى نموذج أعمال كثيف رأس المال وتموله عبر الديون.

وبما أن عوائد سندات الخزانة تمثل عاملاً رئيسياً في تحديد تكاليف اقتراض الشركات، فقد أصبحت هناك روابط وثيقة تجمع بين كبرى الشركات في سوق الأسهم وبين التقلبات في سوق سندات الخزانة.

المفارقة هنا، أن هناك مخاطر تتهدد أسواق الأسهم حتى لو تم ضبط عجز الموازنة الحكومية. فعجز الموازنة يظهر عادة في الجانب الآخر من الحسابات القومية كفائض لدى الشركات، أي في صورة أرباح.

من ثم، فإن السيطرة على العجز ستترافق على الأرجح مع هبوط مؤلم في أرباح الشركات، بالتالي تراجع أسعار الأسهم على المدى القصير.

وكلما استمر التغاضي عن تضخم العجز لفترة أطول، كلما كانت عملية التصحيح المالي هذه أكثر قسوة.

في غضون ذلك، بدأت البدائل الاستثمارية خارج السوق الأمريكية تبدو أكثر جاذبية، فأرباح الشركات الأوروبية تسجل تسارعاً ملموساً، وإصلاحات حوكمة الشركات في اليابان تكتسب زخماً جديداً، بينما شهدت الأوضاع المالية في العديد من أسواق الدول الناشئة تحسناً ملحوظاً.

بناء على ذلك، قد يتراجع منطق «الإفراط في الانكشاف على السوق الأمريكية» كخيار تلقائي ومفضل دائما، ما قد يخل بالتوازن الاقتصادي الأمريكي.

وعندما يستبد اليأس بالمراقبين تجاه وضع المالية العامة في أمريكا، يسهل العثور على الطمأنينة في ديناميكية اقتصادها الخاص.

والأسواق العالمية المتفوقة التي يدعمها، ورؤوس الأموال التي يجتذبها من كل حدب وصوب. غير أن سوء الإدارة المالية العامة أصبح يضع هذه المنظومة بأكملها على المحك.