دانيل ريتشمان_أستاذ القانون في جامعة كولومبيا
يؤكد الموقع الرسمي للبيت الأبيض أن «الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس يشنان حرباً ضارية على المحتالين والمضللين الذين طالما استنزفوا أموال الأمريكيين الكادحين».
غير أن نظرة فاحصة تكشف عن انتقائية مثيرة للقلق، إذ نادراً ما تطال هذه الجهود كبار الجناة، بينما تمنح محاباة غير مستحقة لمن يمتلكون النفوذ السياسي أو الثراء الاقتصادي.
وطالما شكلت أشكال الجرائم التي ينبغي للحكومة الاتحادية ملاحقتها قضائياً موضع جدل محتدم. فجرائم العنف، على سبيل المثال، كانت تعد تقليدياً من اختصاص السلطات المحلية وعلى مستوى الولايات. غير أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي، دأب كلا الحزبين على التباهي بجهودهما في الحد منها. واليوم، يتفاخر ترامب بتراجع جرائم الشارع الذي بدأ في واقع الأمر قبل توليه الرئاسة ولا يمت بصلة يذكر للجهود الاتحادية. وفي غضون ذلك، أوضحت الإدارة بوضوح تفضيلها تجنب ملاحقة الجرائم البيئية الجسيمة.
وكان من المفترض أن تحظى الجرائم التي تمس الحكومة الاتحادية مباشرة بنوع من التوافق، خصوصاً عمليات الاحتيال التي تحرم الخزانة العامة من الأموال اللازمة لتسيير أداء أجهزة الدولة. غير أن تركيز إدارة ترامب على الاحتيال على برامج الرعاية الاجتماعية، وفي المقابل تتجنب القضايا المرفوعة ضد الشركات الكبرى وكبار التنفيذيين الأثرياء، ما يبرز كيف أن الموارد المحدودة تفسح المجال دائماً لخيارات توجيه السياسات وحرف الأولويات.
وهذه المشكلة ليست وليدة اليوم، بل ساهمت في تشكيل ملامح العقوبات الجنائية الاتحادية منذ البدايات. فقد اعتمدت الجمهورية الأمريكية المبكرة على إيرادات الجمارك، وهي التعريفات التي دافع عنها ألكسندر هاملتون وخلفاؤه في وزارة الخزانة. غير أنه عند ملاحقة التجار المحتالين الذين يحرمون الحكومة من هذه الإيرادات الحيوية، كان مسؤولو الجمارك والمدعون الاتحاديون، الذين تولوا الملاحقات قبل إنشاء وزارة العدل عام 1870، يكتفون برفع قضايا مصادرة ضد السفن والبضائع. ورغم أن هذا الشكل المبكر من المسؤولية الجنائية للشركات تميز بمعاقبة المستثمرين وفقاً لنسبة حصصهم، إلا أنه أتاح للأفراد التملص من العقوبات الجنائية الشخصية. وعلى النقيض، كان موظفو البريد الذين يختلسون الأموال يلاحقون قضائياً بانتظام، بل وكانوا يواجهون عقوبة الإعدام.
ومع تأسيس مصلحة الضرائب الداخلية خلال الحرب الأهلية، برز التركيز من جديد على الملاحقات الضريبية، التي سرعان ما استحوذت على المساحة الأكبر من جدول القضايا الجنائية الاتحادية. إلا أن الخلل في استهداف الفئات التي تفتقر إلى النفوذ السياسي ظل قائماً، حيث ركزت معظم القضايا على ملاحقة منتجي الخمور غير القانونية لتشغيلهم أماكن غير مرخصة للتقطير، بدلاً من استهداف شركات الكحول والتبغ الكبرى التي ابتكرت استراتيجيات تهرب ضريبي معقدة.
وشهد القرن العشرين توسعاً هائلاً في نطاق اختصاصات الإنفاذ الاتحادي. ومع مرور الوقت، بدأت قضايا المخدرات وجرائم العنف تحتل المساحة الأكبر في جدول الملاحقات القضائية مقارنة بالقضايا الضريبية. وفي واقع الأمر، شهدت الخمسين عاماً الماضية زيادة في التوجه العدائي ضد الإنفاذ الضريبي، من جانب قادة اتحاديين يفضلون إنفاق الأموال دون الالتزام بجمعها أو فرض ضرائب جديدة. بالتالي، أصبحت إجراءات الإنفاذ الضريبي الصارمة مسيسة، وقامت إدارة ترامب بإلغاء التعزيزات الضريبية التي أقرتها إدارة بايدن.
ويعود هذا الانحراف جزئياً إلى ضغوط الكونجرس، التي وجهت بوصلة الملاحقات الجنائية نحو ذوي الدخل المنخفض بتهم الاحتيال في «برامج الائتمان الضريبي»، في حين غضت الطرف عن كبار المتهربين. ومن شأن تجفيف الموارد الذي تفرضه إدارة ترامب على مصلحة الضرائب، بالتوازي مع التصعيد الكلامي للجمهوريين ضد احتيال برامج الرعاية، وهو احتيال قائم بالفعل من باب الإنصاف، أن يفاقم هذه الفجوة؛ إذ تظل قضايا صغار المكلفين هي الأسهل حسماً والأقل تكلفة في الملاحقة.
وحتى في قطاع الرعاية الصحية، حيث يبدو التزام البيت الأبيض بمكافحة الاحتيال جاداً، يظهر أن ترامب قدم الحسابات الحزبية الضيقة على التقييم الموضوعي. إذ أعطت أحدث جهود الإنفاذ الأولوية للولايات الزرقاء، الموالية للحزب الديمقراطي، مثل كاليفورنيا ومينيسوتا، دون تقديم ما يبرر الاعتقاد بأن معدلات المخالفات والاحتيال كانت أعلى هناك.
وفي وقت تهيمن فيه أحكام الإدانة المتعلقة بالهجرة على الجدول الجنائي الاتحادي بنسبة (40.9 %)، تليها قضايا المخدرات بنسبة (21.8 %) والأسلحة النارية بنسبة (12.1 %)، فإن العمل على زيادة عدد ملاحقات الاحتيال الضريبي، بل وقضايا جرائم ذوي الياقات البيضاء بصفة عامة، سيصب بلا شك في المصلحة العامة.
لكن لا ينبغي لنا أن ندع إدارة ترامب تفلت باستعراض أرقام القضايا أو البلاغة الخطابية المناهضة للاحتيال التي تخفي أجندة حزبية، وتترك كبار المخالفين والأثرياء يمتنعون عن دفع مستحقات الدولة دون مساس، في حين تستهدف صغار المتهربين وأشدهم فقراً.
