الوظائف هي الحلقة المفقودة في طفرة النفط والغاز الأمريكية

جيمي سميث
عندما تولى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاليد السلطة العام الماضي، قطع وعداً بإحياء قطاع الوقود الأحفوري، وتفاخر بقدرته على إيجاد مئات الآلاف من الوظائف في مجال الطاقة عبر تقليص القيود البيئية وإطلاق موجة من عمليات الحفر. 

غير أن سجل إدارته حتى الآن في هذا الوعد جاء متبايناً. إذ قفز إنتاج النفط وأرباح الشركات إلى مستويات قياسية تقترب من أعلى معدلاتها التاريخية، ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل.

رغم ذلك، تراجع التوظيف في قطاع النفط والغاز الأمريكي بنحو 13.000 وظيفة منذ تنصيب الرئيس العام الماضي.

وتظهر البيانات الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي انخفاض عدد العاملين في استخراج النفط والغاز إلى 114.500 عامل في يوليو، وهو أدنى مستوى تم تسجيله منذ ذروة جائحة «كوفيد 19» عندما انهار إنتاج النفط آنذاك.

كما تراجعت وظائف خدمات الحقول النفطية، وهي فئة تضم بعض أشكال التعدين وقطع الأشجار، بنحو 7.500 وظيفة لتصل إلى 264.600 وظيفة منذ يناير 2025.

وجاء هذا التراجع في التوظيف رغم نمو إنتاج الخام بنسبة 4% تقريباً ليصل إلى 13.8 مليون برميل يومياً منذ تنصيب ترامب. كما يتوقع أن يسجل إنتاج الغاز الطبيعي مستوى قياسياً جديداً ليصل في المتوسط إلى 122.5 مليار قدم مكعبة يومياً هذا العام.

وأتاحت طفرة الحفر للمنتجين والمكررين تحقيق أرباح استثنائية، ما مكن أكبر شركتين أمريكيتين، «إكسون موبيل» و«شيفرون»، من تحقيق أرباح إجمالية بلغت 26.5 مليار دولار في الربع الثاني، ما أثار ردود فعل سياسية غاضبة.

لكن التركيز على الطبيعة «الخالية من الوظائف» في هذه الطفرة النفطية، أو على الأسباب التي تدفع القطاع إلى الإحجام عن التوظيف رغم انتعاش الربحية كان أقل بكثير.

ويعود جانب من ذلك إلى تنفيذ بعض الشركات لخطط تقليص الوظائف المعلنة العام الماضي، حين شاعت مخاوف من أن يؤدي الفائض في المعروض العالمي إلى هبوط أسعار الخام إلى مستوى 50 دولاراً للبرميل.

وفي هذا السياق، كشفت شركات «كونوكو فيليبس» و«شيفرون» و«بي بي» عن خطط لتقليص قواها العاملة بنسب تصل إلى 25% و20% و5% على التوالي، ولا تزال بعض برامج خفض التكاليف هذه قيد التنفيذ.

كما تعمل «شيفرون» و«كونوكو» على استحواذات ضخمة، شملت شركتي «هيس» و«ماراثون أويل»، بينما تنفذ «بي بي» إعادة هيكلة شاملة تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد ميج أونيل.

ويعد هذا التركيز المؤسسي على خفض التكاليف وترشيد أعداد العمالة امتداداً لتوجه طويل الأجل في صناعة النفط الأمريكية، التي أعطت الأولوية لعوائد المستثمرين على حساب التوسع، عقب انهيار سوق النفط الصخري في الفترة بين 2014 و2016.

كما وفرت الطفرات المترتبة على تقنيات الحفر والأتمتة والذكاء الاصطناعي أدوات مكنت الشركات من ترشيد عملياتها مع الاستمرار في زيادة الإنتاج، فضلاً عن قيام بعض الشركات بإسناد وظائف الهندسة إلى مراكز تقنية في الهند.

وفي هذا الصدد، قال كيفن بوك، الباحث في شركة «كليرفيو إنرجي بارتنرز» الاستشارية: «أثبت القطاع تحسناً لافتاً في كفاءة التكنولوجيا والعمالة على مدار الأعوام الخمسة عشر الماضية. إذ أصبح إنتاج الكمية نفسها من النفط والغاز اليوم يتطلب أقل من نصف عدد العمالة التي كانت مستخدمة في بداية طفرة النفط الصخري».

وانخفض إجمالي القوى العاملة لدى «إكسون» عالمياً بنحو 24.000 فرد ليصل إلى 58.000 شخص خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، بينما تراجع عدد العاملين في «شيفرون» بنحو 19.500 فرد ليصل إلى 43.000 شخص.

من جانبه، أفاد معهد البترول الأمريكي بأن القطاع يشهد تعديلات في هياكل العمالة، في ظل إعادة تشكيل احتياجات التشغيل نتيجة التقنيات الحديثة ومكاسب الإنتاجية.

وأشار المعهد إلى أن مجالات النمو، مثل الغاز الطبيعي المسال، ستخلق فرصاً جديدة وتدعم التوظيف.

رغم ذلك، لا تلوح في الأفق مؤشرات على اتجاه الشركات لزيادة الإنفاق أو التوظيف في عام 2026، رغم التدفقات النقدية التي يتوقع أن يجنيها القطاع عالمياً بقيمة 542 مليار دولار هذا العام، وهو ضعف التوقعات الأولية المسجلة قبل توترات الشرق الأوسط.

وتتوقع مجموعة «وود مكنزي» لأبحاث الطاقة انخفاض الاستثمارات في قطاع التنقيب والإنتاج في عام 2026 إلى 512 مليار دولار، مقارنة بـ 527 مليار دولار العام الماضي، ويرجع ذلك جزئياً إلى تأخر تنفيذ بعض المشاريع في الشرق الأوسط.

وفي الولايات المتحدة، التزمت الشركات بدرجة كبيرة بطلب خطط الإنفاق. وترجح «وود مكنزي» تراجع الاستثمار إلى 124 مليار دولار في عام 2026، مقارنة بـ 127 مليار دولار العام الماضي، مع تواصل جهود تحسين الكفاءة في الحد من أثر زيادة الميزانيات.

ويرى محللون أن القطاع يتبع سياسة «التريث والرقابة»، ويرجع ذلك جزئياً إلى حالة عدم اليقين الناجمة عن الصراعات في مناطق مختلفة من العالم. كما أدت الحروب الجمركية التي تشنها واشنطن مع كندا ودول أخرى إلى إثارة القلق لدى بعض الفاعلين في هذا القطاع.

وقال مايكل الفارو، رئيس الاستثمار في صندوق «غالو بارتنرز» المتخصص في قطاعي الطاقة والصناعة: «إن التقلبات المستمرة في السياسات أبقت الإدارات التنفيذية في حالة حذر، وألقت بمشروعات الإنفاق الجديد جانباً».