ستيفن بوش
لم تكن الاضطرابات التكنولوجية السابقة سوى سبب في اندثار «الوظائف»، دون أن تقضي على «العمل» ذاته، إذ نجحت دائماً في خلق فرص وظيفية تعوض تلك التي أُلغيت، بل تجاوزتها بمراحل في كثير من الأحيان. ولعل الذكاء الاصطناعي ينتهي إلى المصير نفسه... أو ربما لا.
فإذا استطاع الذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة الأبحاث في مجال الروبوتات، فإن المهن التي نراها حالياً «حصينة» ضده، قد تستولي عليها الآلات قريباً.
أما الحل الآخر، فيدعو إلى انتقالنا جميعاً إلى حياة مرفهة، على أن نحصل على دخل عبر تحويلات نقدية من نظام «الدخل الأساسي الشامل».
والحقيقة أن معظم تجارب «الدخل الأساسي الشامل» تشبه إلى حد كبير «الإمبراطورية الرومانية المقدسة»، التي لم تكن مقدسة، ولا رومانية، ولا إمبراطورية.
فهذه التجارب ليست شاملة، ولا أساسية، بل إنها في بعض الحالات لا ترتقي لتكون دخلاً من الأساس.
ألا وهي معاش التقاعد الحكومي، الذي يمثل في جوهره تحويلاً نقدياً غير مشروط يُمنح لكبار السن.
إن ما يلفت الانتباه فوراً عند النظر في أنظمة المعاشات التقاعدية هو أن الصورة النمطية المرتسمة في الأذهان عند الحديث عن الدخل الشامل، أي صورة أناس يجلسون بلا عمل يستمتعون بسخاء الدولة، هي صورة خاطئة في معظمها.
خذ بريطانيا على سبيل المثال، حيث يختار الكثيرون مواصلة العمل لما بعد سن التقاعد؛ فثمة فئة قليلة تستمر في وظائف مدفوعة لأنها تستمتع بها، بينما يلجأ آخرون إلى العمل المدفوع كسبيل للتواصل الاجتماعي.
لكن الصورة تختلف تماماً عندما نوسع مفهوم أنشطة «العمل» التطوعي، ذلك النوع من الأعمال التي نضطر عادة لدفع أجر لمن يقوم بها؛ كرعاية الأطفال، أو إرساء «البنية التحتية الاجتماعية» من خلال إدارة جمعيات الملاك في المباني السكنية، أو الخدمة كقضاة متطوعين، أو الإرشاد السياحي التطوعي في المتاحف والمعارض.
غير أن هناك فئة أخرى من المتقاعدين غير العاملين يقضون أوقاتهم في التردد على خبايا شبكة الإنترنت، ليتدرجوا تدريجياً نحو تبني أيديولوجيات متطرفة من كل حدب وصوب.
وهذا يقودنا إلى استنتاج بالغ الأهمية، قد يصبح إيجاد نظام رفاه اجتماعي أكثر سخاءً جزءاً أساسياً لضمان مستوى معيشي كريم للغالبية في عالم تحكمه تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة.
قد تتقلص الوظائف المدفوعة الأجر بشكل ملحوظ، لكن ممارسة نوع ما من «العمل» ستظل ركناً جوهرياً لشعور معظم البشر بالرفاه والارتياح النفسي.
فإذا استبدلت وظيفتي بآلة، سأكون بحاجة إلى تعويض الدخل المفقود، لكنني سأظل بحاجة أيضاً إلى عمل أقوم به، سواء أكان بأجر أم من دونه.
إن تحول بعض المتقاعدين نحو السياسات المتطرفة في مرحلة التقاعد أمر يدعو للقلق، لكنه ينقلب إلى مصدر خوف حقيقي عند استقرائه كمقياس لما قد يفعله أناس في مقتبل حياتهم إذا وجدوا أنفسهم بلا عمل.
فمعظمنا ممن يؤيدون حداً أدنى للأجور وفرض قيود على حق أصحاب العمل في الفصل التعسفي يعلمون أن هذه السياسات تنطوي على تكلفة اقتصادية، لكننا نرى أن هذه التكلفة تهون أمام المصلحة الاجتماعية المتمثلة في وجود أمان وظيفي وحد أدنى للدخل.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، سيتمحور المعترك السياسي بأكمله حول إيجاد نقطة التوازن بين الميزة الاقتصادية لدفع الآلة لنشاط العمل، والمصلحة الاجتماعية التي يجنيها معظمنا من ممارسة العمل ذاته.

