وارش يصلح أخطاءه.. لكن مصداقية أمريكا لا تزال مهددة

 كيفن وارش
كيفن وارش

كريس جايلز
كان أبرز ما خرج به مؤتمر «جاكسون هول» هذا العام تلميح كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن البنك المركزي قد يتجه إلى رفع أسعار الفائدة إذا لم يبدأ التضخم الأمريكي في التراجع قريباً. 

لكن من الناحية الفعلية، لم يكن في هذا الموقف الكثير من القيادة أو التجديد؛ فهو المعنى نفسه الذي تضمنه اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو، وكذلك اجتماعها في 19 أغسطس.

ومع ذلك، كانت كلمة وارش في جاكسون هول أفضل بكثير من تصريحاته السابقة، ومن الإنصاف دائماً دعم المسؤول الذي يحاول تصحيح أخطائه.

والأهم أن هذا التحول يتيح الآن للفرق العاملة معه داخل الفيدرالي أن تبدأ في إدخال تحسينات حقيقية على طريقة تفكير البنك المركزي وممارساته، بدلاً من أن ينحصر عملها في إصلاح الأضرار التي تسببت فيها تصريحاته الأولى.

وكان أحد أهم أسباب تحسن الخطاب أن وارش أعاد تعريف مفهوم «التوجيه المستقبلي» بحيث أصبح أقرب إلى الممارسة المعتادة داخل البنوك المركزية.

ففي أعقاب اجتماعي يونيو ويوليو، كان يتصرف كما لو أن أي تصريح بشأن اتجاه الاقتصاد الأمريكي أو آفاقه المستقبلية يمكن اعتباره توجيهاً مستقبلياً للسياسة النقدية.

أما في جاكسون هول، فقد امتنع عن تقديم التزامات محددة بشأن مسار أسعار الفائدة، وترك لنفسه مساحة من المرونة في الحديث عن التضخم والأداء الاقتصادي.

وهذا، في الحقيقة، هو السلوك الطبيعي لمحافظ بنك مركزي.

فالممارسة المعتادة تقتضي أن يشرح المسؤولون تقييمهم للاقتصاد من دون أن يربطوا أيديهم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة.

وبذلك يستطيع أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أن يتحدثوا عن الاقتصاد والتضخم من دون أن يقدموا، صراحة، توجيهاً مستقبلياً ملزماً بشأن السياسة النقدية.

كما تخلى وارش عن الغموض الذي أحاط في السابق بموقفه من هدف التضخم لدى الفيدرالي.

فقد أكد بوضوح أن نسبة 2 %، وفق مقياس مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، هي «هدف ثابت وصارم». وهذه نقطة مهمة، لأن وضوح البنك المركزي بشأن هدف التضخم يمثل جزءاً أساسياً من مصداقيته.

في الوقت نفسه، تراجع وارش عن تصور سابق كان يختزل دور الفيدرالي إلى مجرد مراقب للأسواق، وليس لاعباً أساسياً فيها.

ففي جاكسون هول، أقر بأن «الفيدرالي يؤدي دوراً جوهرياً في الاقتصاد والأسواق، وأدواتنا قوية، فنحن من يحدد مسار أسعار الفائدة قصيرة الأجل».

وكان موقفه من السياسة النقدية الحالية أكثر اعتدالاً أيضاً.

فقد قال: «أجد صعوبة في وصف الأوضاع المالية العامة بأنها تقيدية»، واضعاً نفسه بذلك أقرب إلى التيار الوسطي في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، بدلاً من بعض المواقف الأكثر تشدداً التي ظهرت في السابق.

كما كشف وارش عن مقياس يبدو أنه أصبح المفضل لديه لقياس التضخم الأساسي، وهو نسبة مكونات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي التي ترتفع أسعارها بأكثر من 3 %.

ولم أتمكن من إعادة بناء هذا المقياس بصورة كاملة، إذ يتكون من 199 مكوناً، كما أن الفيدرالي لم يتمكن من تزويدي بقائمة توضح بدقة المكونات الداخلة فيه وتلك المستبعدة. لكن حتى مع هذا التحفظ، يبدو المقياس مرتفعاً إلى حد كبير في الوقت الحالي.

غير أن المشكلة الأكبر التي واجهت وارش منذ توليه منصبه لم تكن في موقف بعينه من التضخم أو أسعار الفائدة، بل في ميله إلى تفسير تحركات الأسواق المالية باعتبارها دليلاً على نجاحه الشخصي.

ففي وقت سابق، أشاد بهبوط عوائد السندات الأمريكية حتى الأول من يوليو، معتبراً أن ذلك أظهر مدى سرعة الأسواق في فهم الطريقة التي سيستجيب بها الفيدرالي تحت قيادته.

لكن عندما ارتفعت عوائد السندات في نهاية الشهر نفسه، وجد في ذلك أيضاً دليلاً على أن الأسواق تعلمت كيف تسعّر الأوضاع بصورة صحيحة من دون الحاجة إلى توجيه مستقبلي من البنك المركزي.

وهنا تحديداً تظهر مشكلة يصعب تجاهلها: إذا كان هبوط العوائد دليلاً على أن الأسواق فهمت استراتيجية وارش، فإن ارتفاعها بعد ذلك لا يمكن أن يكون في الوقت نفسه دليلاً على أنها أصبحت قادرة على التسعير من دونه.

لا يمكن للحركة نفسها في السوق أن تصبح برهاناً على صحة روايتين متناقضتين.

رغم ذلك، فإن تناقضات وارش تبدو محدودة جدا إذا ما قورنت بالارتباك الذي يخرج من الإدارة الأمريكية نفسها.

فوزير الخزانة سكوت بيسنت نظر إلى ارتفاع عوائد السندات وخلص إلى أنها لا تعكس تسعيراً سليماً، بل إنها مرتفعة أكثر من اللازم بسبب ضعف السيولة.

وقال إن «العوائد لا تعكس المقومات الاقتصادية الأساسية»، مضيفاً أنه يمتلك معلومات لا يملكها السوق.

لكن ستيفن ميران، العضو السابق في مجلس محافظي الفيدرالي ورئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين، قدم تفسيراً مختلفاً.

فقد أشار إلى أن توقعات التضخم المستخلصة من الأسواق لم ترتفع، وأن ما ارتفع فعلياً هو العوائد الحقيقية، نتيجة ارتفاع توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة.

وكان هذا الطرح صحيحاً أيضاً. لكن ميران ذهب خطوة أبعد، إذ استنتج أن السبب هو أن «المستثمرين رفعوا توقعاتهم بشأن النمو الاقتصادي طويل الأجل».

ثم أثنى على الذكاء الاصطناعي والسياسة الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب.

المشكلة أن هذا المنطق كان يستدعي منه، إذا أراد الاتساق، أن يفسر أيضاً كيف كانت الأسواق تتعامل مع أسعار الفائدة في عهد الرئيس جو بايدن. لكن يبدو أن أسعار الفائدة في عهد الرئيس السابق مرت من أمامه من دون أن يلاحظها.

والأكثر إثارة للاهتمام أن ميران نفسه كان يتبنى، قبل أقل من عام، موقفاً معاكساً تقريباً.

فقد كان يرى آنذاك أن سعر الفائدة المحايد منخفض للغاية، وكان يربط ذلك بالسياسات الاقتصادية لترامب. أما الآن، فأصبحت توقعات النمو الأعلى هي التفسير لارتفاع العوائد.

فهل يمكن للسلطات الاقتصادية الأمريكية أن تمنح الأسواق قدراً بسيطاً من الاتساق؟ لقد أصبح المرء يظن أنها تسعى جاهدة لتقويض مصداقيتها بنفسها.

المشكلة هنا ليست مجرد اختلاف في الآراء. فالأسواق تحتاج إلى أن تثق في أن المسؤولين الذين يحددون السياسة النقدية والمالية يقدمون تفسيرات يمكن تتبع منطقها من مرحلة إلى أخرى.

وعندما يتغير التفسير مع تغير اتجاه الأسعار، يصبح من الصعب معرفة ما إذا كانت السلطات تقرأ السوق فعلاً أم تبحث عن قصة تبرر ما حدث بالفعل.