الفوارق الثقافية تمنح آسيا تفوقاً على أمريكا في الذكاء الاصطناعي

جيليان تيت
كيف توقف انزعاج الأمريكيين من مراكز البيانات وكراهيتهم لها؟ يمثل هذا السؤال قضية جوهرية للمستثمرين حالياً.

إذ حذر بنك «باركليز» عملاءه هذا الأسبوع من أن «سياسات اليوم هي التي ستحدد قدرات الذكاء الاصطناعي غداً».

بكلمات أخرى، فإن الرفض الشعبي لمراكز البيانات قد يقوض الطفرة التكنولوجية برمتها.

وتكتسب هذه القضية أهمية بالغة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة.

وكان الرئيس دونالد ترامب قد تهكم مؤخراً على النقاد متهماً إياهم بالميل إلى «التخلف والفقر»، وملمحاً إلى أن الصين تغذي السخط الشعبي بخبث.

غير أن الغضب يساور حتى قاعدته الانتخابية الصلبة، أنصار حركة «ماجا».

وبالفعل، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يوجوف» أن 20 % فقط من الناخبين ينظرون بإيجابية لهذه المراكز، ما يجعل هذا التوجس نقطة توافق نادرة بين الناخبين من الحزبين.

واللافت في هذا السياق أنه رغم صياغة الناخبين لمخاوفهم حول ارتفاع أسعار الطاقة ونقص المياه، فإن استطلاعاً أجرته مؤسسة «إيشيلون» يكشف أن 43 % و15 % منهم يؤيدون بناء المراكز التابعة لشركة «أمازون» ومصانع الشرائح الإلكترونية على التوالي، رغم أنهما قطاعان يستهلكان الطاقة بشراهة.

تشير هذه المفارقة إلى أن قلق الناخبين يتجاوز مجرد ارتفاع فاتورة الكهرباء المرتبطة بمراكز البيانات؛ فقد أصبحت هذه المباني أيضاً رمزاً ملموساً لمخاوف أوسع نطاقاً تتعلق بالذكاء الاصطناعي.

فكيف ينبغي لقادة التكنولوجيا والسياسيين التعامل مع هذا المشهد؟ تسارع شركات التكنولوجيا الكبرى لمعالجة مشكلة الطاقة، وهو أمر إيجابي، إلا أن القادة الأمريكيين بحاجة ماسة للتخلي عن أساليب العلاقات العامة التقليدية والنظر إلى ما هو أبعد منها.

ففي حين يميل أقطاب التكنولوجيا في «سيليكون فالي» والسياسيون في واشنطن إلى افتراض أن رؤيتهم للعالم هي صحيحة وعالمية، فإن الأمر يختلف تماماً عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي.

وكما أوضح الفيلسوفان ستيفن كاف وكانتا ديهال، فإن للمجتمعات الأخرى أطراً مختلفة، ويمكن لأمريكا أن تتعلم الكثير من التأمل فيها، خاصة في القارة الآسيوية.

وتكشف أرقام استطلاع حديث أجرته مؤسسة «إيبسوس» عن هذه الفجوة؛ إذ بلغت نسبة الناخبين الذين يشعرون بالحماس تجاه الذكاء الاصطناعي 33 % فقط في أمريكا وفرنسا، و29 % في بريطانيا.

في المقابل، تقفز هذه النسبة في الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان إلى 83 و61 و74 و47 % على التوالي، وهي فجوة مذهلة.

ما الذي يفسره ذلك؟ أحد العوامل يكمن في الديموغرافيا؛ إذ تعاني المجتمعات الآسيوية المسنة من نقص في الأيدي العاملة.

لكن الديموغرافيا لا تفسر الفجوة برمتها. إذ في الواقع كشف الاستطلاع نفسه أن نسبة المواطنين الذين يتوقعون أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم هي في الواقع أعلى بكثير في آسيا مقارنة بأمريكا. نعم، هذه هي الحقيقة.

لذا أرجح أننا بحاجة للفحص الحقيقي للثقافة والسياسات العامة. فالصين، على عكس أمريكا، «دولة تدار بعقلية هندسية وتصنيعية»، على حد تعبير دان وانج مؤلف كتاب «بريكنيك» (Breakneck)، تحتفظ باحترام مجتمعي رفيع للعلوم.

في الوقت نفسه، تتسم الثقافة الإعلامية في اليابان بنظرة إيجابية دائمة للروبوتات والذكاء الاصطناعي، وتتجلى بأبهى صورها في سلسلة «المانجا» و«الأنمي» الشهيرة «آسترو بوي»، التي تدور أحداثها حول روبوت لطيف يصادق البشر.

وفي تباين صارخ، غرس الإعلام في العالم الأنجلوسكسوني، خوفاً في نفوس الناس من الروبوتات؛ ويكفي الاستشهاد بأفلام ومسلسلات مثل «ذا تيرميناتور» «The Terminator» و«أوديسة الفضاء» (A Space Odyssey) و«دكتور هو» (Doctor Who).

بالتالي فمن الطبيعي الشعور أن الآلات الشبيهة بالبشر تهديد.

لكن كما يوضح بعض الفلاسفة، إلى جانب أسامو تيزوكا، مبتكر شخصية «آسترو بوي»، فإن ثقافة الـ«شنتو» اليابانية تطرح فكرة الحياة كطيف متصل، يمكن فيه حتى للجمادات مثل الصخور أن تحوي أرواحاً، ما يعزز تقبل التقنيات الشبيهة بالبشر.

وتكتسب الخيارات السياسية والتنظيمية أهمية أكبر، إذ يفترض العديد من التنفيذيين اليابانيين أن من واجبهم تدريب المواطنين على مهارات الذكاء الاصطناعي، حيث تتولى شركة «ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة»، على سبيل المثال، إطلاق برامج تدريبية واسعة النطاق.

وفي سنغافورة أخذت الحكومة هذه المسؤولية على عاتقها عبر مخططات تدريب ضخمة.

أما في الصين فتركز الحكومة على التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي وتهيئ المستهلكين والشركات لمسار تطوره.

أما في الولايات المتحدة، فينصب زخم الصخب الإعلامي والترويج على النماذج الجديدة والمساعي لبناء «الذكاء الاصطناعي العام».

ورغم أن بعض الشركات، مثل «وول مارت»، تطور برامج لتأهيل عمالها، في خطوة تحسب لها، إلا أن العبء يقع عموماً على كاهل الأفراد لاستيعاب الذكاء الاصطناعي والتأقلم معه، دون دعم ملموس من الحكومة أو شركات التكنولوجيا الكبرى أو الجامعات. فلا عجب إذن أن ينتاب الناخبين شعور بالقلق والرعب.

بناء على ذلك، إذا أراد القادة الأمريكيون كبح ردة الفعل العكسية تلك، فعليهم الاستفادة من الدروس الآسيوية.

ينبغي لقطاع التكنولوجيا التكتل والتضامن لتمويل برامج تدريب شاملة للمواطنين، والعمل الجاد على إبراز الفوائد العملية الملموسة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، مثل تقديم أدوات مجانية لسد نقص العمالة في قطاع رعاية كبار السن على سبيل المثال، وهو دور يقع على عاتق الحكومة أيضاً.

والأهم من ذلك، يجب على السياسيين الأمريكيين المنتخبين إثبات قدرتهم، على غرار نظرائهم في آسيا، على كبح جماح شركات التكنولوجيا الكبرى المتسمة بالسرية.

وبالطبع، لا يعني هذا السير على خطى الحزب الشيوعي الصيني، ولا محاكاة النموذج الياباني المعتمد على العلاقات الوثيقة والمفرطة بين قطاع الأعمال والبيروقراطيين، بل يكمن الحل في مساحة وسطى متوازنة.

يحتاج الناخبون إلى رقابة ديمقراطية على شركات التكنولوجيا الكبرى، وإلى مبادرات تؤكد أن الابتكار يتم لصالحهم ومعهم، وليس ضدهم.

وكما عبر أحد التنفيذيين في قطاع الأدوية الأمريكي «لست ضد الذكاء الاصطناعي، لكن القضية التي تثير مخاوف مُلّاك المنازل أمثالي هي السرية التي تعمل بها مراكز البيانات هذه، والضغط على المرافق الخدمية».

لقد حان الوقت للتأمل في دروس «آسترو بوي».