أصوات المعترضين تتعالى في السوق الأمريكية

بقلم: كاتي مارتن
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كان محللو «وول ستريت» ومستثمروها يلوذون بصمت مطبق، ممتنعين تماماً عن توجيه أي نقد علني وصريح لما تقترفه الإدارة الأمريكية بشأن الرسوم الجمركية، أو تآكل دور المؤسسات، أو غيرها من الملفات الشائكة.

كان المشهد واضحاً للجميع؛ فبينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفجر التحالفات الجيوسياسية بفرض رسوم تجارية عشوائية، كان يسعى في الوقت نفسه إلى إخضاع كادر الفيدرالي الأمريكي وسياساته لإرادته.

ولم يتردد في إقالة إريكا ماكينتارفير، التي كانت تدير مكتب إحصاءات العمل، لمجرد أن البيانات لم تعجبه.

كما واصل اختيار «الرابحين والخاسرين» من بين الشركات المدرجة، متلقياً هدايا ثمينة من كبار التنفيذيين الراغبين في كسب وده، ناهيك عن الخوض في مجازفات العملات المشفرة.

كان الموقف برمته يعكس نهجاً مشبوهاً يهدد الهيمنة الأمريكية على الأسواق العالمية، وكان الجميع يدرك ذلك جيداً، لكن أحداً لم يجرؤ على التصريح به.

عاشت البنوك ومؤسسات الاستثمار ومراكز الفكر، وما بينها، في خوف دائم من إثارة غضب رئيس يبدو في أوج سلطته، أو وزير خزانة يراه البعض قوة حكيمة وكابحاً للاضطراب داخل إدارة متخبطة.

نتيجة لذلك ظلت الانتقادات المباشرة لرجال الرئيس في القطاع المالي محصورة خلف الأبواب المغلقة.

أما على الملأ فكان الخيار الأسهل، والأكثر عقلانية، للمحللين والمستثمرين هو التزام الحذر والحديث بدبلوماسية إن تطلب الأمر، مع ترك تقييماتهم الصادقة والمجردة لجلساتهم الخاصة في المقاهي والمجالس المغلقة، لكن حدث تحول لافت خلال الأسابيع الماضية، خاصة منذ أن بدأت وزارة الخزانة بقيادة سكوت بيسنت التدخل في سوق السندات.

ومع كامل الاحترام لخبراء الأسهم فإن الأسهم لا تعد التخصص الأكثر تعقيداً في الهرم القيادي للأسواق المالية، لأن استراتيجيات الانتقاء الفردي للأسهم نادراً ما تنجح، ويبقى الخيار الأفضل دوماً هو شراء مؤشر عام والاحتفاظ به لسنوات.

في المقابل، ورغم أن مستثمري السندات يحققون عوائد أكثر تواضعاً، إلا أنهم يعتبرون أنفسهم، سواء كان ذلك صواباً أم خطأ، في مستوى فكري أعلى، مستغرقين في نقاشات معقدة حول مفاهيم متخصصة مثل «فروق أسعار المبادلة» و«التحدب السعري».

لذا، عندما تدخل ترامب في هيبة آلية «التسعير الحر» داخل سوق الأسهم، كما حدث عندما توصلت شركة «إنتل» إلى «اتفاق تاريخي» لبيع حصة بقيمة 9 مليارات دولار لإدارته، تقبّل مستثمرو الأسهم الأمر بلامبالاة، فطالما كانت السوق صاعدة بوجه عام، فمن يبالي؟ ولكن عندما أقدمت وزارة الخزانة على سلسلة خطوات في سوق السندات بهدف كبح تكاليف الاقتراض الحكومي، فإنها نكأت جراح كيان يمتلك عقدة التفوق الفكري.

وببطء، ولكن بثبات ودون مواربة، بدأت الأصوات التي تفضح تناقضات الإدارة وسياساتها غير العقلانية تعلو شيئاً فشيئاً.

ويعود جزء من هذا التجاسر إلى حصول هؤلاء على مظلة دعم قوية من ستان دروكنميلر، عملاق صناديق التحوط للاقتصاد الكلي والعراب الروحي لكل من بيسنت نفسه ورئيس الفيدرالي كيفن وارش.

وفي مقال رأي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، انتقد «دروك»، كما يُعرف في الأوساط المالية، قرار بيسنت بتوسيع نطاق إعادة شراء السندات الحكومية طويلة الأجل، داعياً الإدارة إلى إعطاء الأسواق الحرية في نقل الأخبار السيئة لصناع القرار دون تزييف.

وكتب قائلاً: «الحكومات التي تدافع عن الأسعار في مواجهة الأساسيات الاقتصادية تخسر دوماً.. دعوا سوق السندات تتحدث».

ولم يقتصر الأمر على مقالات الرأي؛ ففي الصفحات الإخبارية لصحيفة «فايننشال تايمز»، صرح مشاركون آخرون في السوق بآراء أكثر حدة، واصفين مساعي بيسنت المغلفة بدهاء لرفع أسعار السندات بأنها «اعتباطية»، و«ذات نتائج عكسية»، و«مجرد ضمادة على جرح رصاصة»، ومن شأنها «تقويض المصداقية الشاملة للأسواق».

وكان من المستحيل تخيل استخدام هذه النبرة الصريحة في مثل هذا الوقت من العام الماضي، عندما كان الرئيس يطالب البنوك بإقالة المحللين الذين لا يعجبونه.

واليوم، أصبح المتعاملون في الأسواق يرصدون الرسائل المبطنة في كل مكان.

على سبيل المثال، قرأ خبراء السندات ما بين السطور في مدونة نشرها توبياس أدريان، المسؤول المالي البارز في صندوق النقد الدولي، قبل مغادرته منصبه بأيام قليلة.

تناولت المدونة بأسلوب صندوق النقد الجاف والدبلوماسي التحديات التي تواجه التواصل الصادر عن البنوك المركزية في عالم يكتنفه عدم اليقين.

ولم تذكر المدونة بيسنت أو وارش أو الفيدرالي بالاسم، لكنها شددت على «أهمية آلية التسعير الحر والشفاف للأسواق» وضرورة أن يتحدث صناع السياسات «بقدر من التواضع».

وسرعان ما تداول مستثمرو السندات هذه المقالة مصحوبة بتعليقات تعبر عن قوة الرسالة وألمها المباشر.

هل كانت مدونة أدريان انتقاداً مباشراً للفيدرالي أو وزارة الخزانة؟ حتماً لا؛ فقد كانت تقييماً عميقاً للتحديات العالمية التي تواجه صناع القرار.

إلا أن بعض مستثمري السندات وجدوا فيها تأكيداً لمخاوفهم وشكوكهم بشأن الرسائل المتضاربة للإدارة وتدخلاتها المستمرة في أدوات الدين.

عندما يصطدم السياسيون في دول مثل فرنسا أو المملكة المتحدة مع الأسواق، يتصدى لهم محللو الأسواق المالية بنقد لا يرحم، في سجال صحي يساعد السياسيين والنخب على فهم التبعات الاقتصادية.

وصحيح أننا لم نصل بعد إلى هذه المرحلة من الصراحة المطلقة مع الإدارة الأمريكية، إلا أنه ولأسباب متعددة، سواء لشعور المحللين بضعف الموقف الحكومي أو لاعتيادهم التعايش مع مخاطر الترهيب، أصبحت أقلامهم تصيغ تحليلات أكثر حدة وجرأة من ذي قبل.