التسرع يؤدي إلى إبطاء الذكاء الاصطناعي

جون ثورنهيل
يوقن قادة كبرى شركات الذكاء الاصطناعي أن الذكاء الآلي سيتفوق قريباً على نظيره البشري. غير أننا قد نصل إلى تلك النقطة بأسرع مما نتخيل، إذا ما واصلنا تهميش الذكاء البشري والحط من قدره.

وحين تعترف شركات الذكاء الاصطناعي بنشر نماذج فائقة القوة لا تفهمها فهماً تاماً ولا تملك زمام السيطرة عليها، فإن الأمر يستحق منا التوقف والتأمل بحذر.

ويزداد هذا الاستحقاق إلحاحاً مع توالي شهادات موظفين سابقين في شركات كبرى مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» و«جوجل ديب مايند»، يؤكدون فيها أن هذه المؤسسات لا تولي معايير الأمان الاهتمام الكافي ولا يمكن الائتمان على توجهاتها.

وفي خضم غروره المفرط، أعلن دونالد ترامب أن وجود «رئيس قوي وذكي يتمتع بذكاء فائق» هو آلية الضبط الوحيدة التي يحتاجها هذا القطاع. ورغبة منه في الحفاظ على صدارة الولايات المتحدة للذكاء الاصطناعي أمام الصين وبقية العالم، كتب في منشور له: «من يفز بالذكاء الاصطناعي، يحسم المعركة لصالحه!».

وفي الوقت الذي يهلل فيه تيار «التسريع» في وادي السيليكون، الذي يمارس ضغوطاً حثيثة ضد أي تنظيم حكومي للذكاء الاصطناعي، لهذا الطرح، يرى الناخب الأمريكي أمراً مختلفاً. إذ تظهر استطلاعات رأي حديثة أصدرتها مؤسسة «جالوب» بالتعاون مع مشروع الدراسات التنافسية الخاصة هذا الأسبوع أن 60 % من الأمريكيين يؤيدون تنظيم هذا القطاع، في حين لا يتفق مع طرح ترامب الداعي للدفع بسرعة التطوير على القواعد الأمنية سوى 7 % فقط.

وتكمن المخاطرة الكبرى بالنسبة لدعاة التسريع في أن أي كارثة ناجمة عن الذكاء الاصطناعي، وهو أمر يزداد ترجيحه في غياب الضوابط الصارمة، قد تؤدي إلى رد فعل شعبي غاضب وتنظيم مفرط في الصرامة، ما سيعطل التقدم المستقبلي للتقنية.

ويتذكر دعاة السلامة في هذا السياق حادثة محطة «ثري مايل آيلاند» النووية عام 1979، وكيف أدت المخاوف الشعبية آنذاك إلى تجميد بناء المحطات النووية الجديدة لبقية القرن. وتجاهل هذه المخاوف المشروعة اليوم يعرض مستقبل التكنولوجيا التي يعشقها هؤلاء للخطر.

وفي دفاعهم عن موقفهم، يطرح الداعون للتسريع حجتين تستحقان النقاش؛ تنطلق الحجة الأولى من أن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة تسعى سراً إلى فرض التنظيمات الهيكلية لترسيخ هيمنتها وإغلاق الباب أمام المنافسين الصغار.

ورغم أن هذا التخوف قد يحمل جزءاً من الصحة، إلا أننا لا يمكن أن نسمح لشركات الأدوية بطرح عقاقير غير مجربة في الأسواق لمجرد أن إجراءات الترخيص الصارمة تعرقل المنافسة.

علاوة على ذلك، فإن التحدي الحقيقي للشركات المسيطرة قد يأتي من منافسين يطورون نماذج أكثر دقة وموثوقية في مجالات متخصصة، وهؤلاء لن يجدوا صعوبة في الامتثال للقواعد الأمنية.

أما الحجة الثانية، فتقوم على ضرورة حسم الولايات المتحدة لسباق السبق التكنولوجي مع الصين. لكن التكنولوجيا ليست لعبة صفرية؛ والتفوق الذي تحققه واشنطن لن يكون سوى تفوق مؤقت.

وكما أشار المحلل التكنولوجي دان وانغ، فإن بكين قد تكون سعيدة بترك واشنطن تندفع في المجهول وتحمل مخاطر العثرات الأولى، لتستفيد هي لاحقاً من تجنب تلك الأخطاء وتطبيق التقنية على نطاق أوسع.

وتكمن المغالطة الكبرى في الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي يحمل طابعاً استثنائياً لا يفهمه إلا قلة من «سحرة التكنولوجيا». فالخطر لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الكيفية التي تتدرب بها الشركات وتصمم وتطلق نماذجها.

وكما يوضح أندرو ستريت، الباحث السابق في معهد أمان الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة، فإن هذه المخاطر هي نتيجة «خيارات متعمدة أدت إلى تقنيات محفوفة بالطيش والإهمال»، وهذا هو التحدي الجوهري الذي نواجهه اليوم.

ويؤكد بيل جيتس في أحدث تقارير مؤسسته، بعنوان «حراس الأهداف»، أن خيارات التصميم والتمويل والنشر التي سنتخذها خلال الأشهر الـ 12 إلى 18 المقبلة ستحدد مستقبل البشرية؛ إذ يمكن لهذه التقنية أن تدر منافع اقتصادية وصحية وتعليمية هائلة، ما دفع مؤسسته لضخ مليار دولار خلال العامين المقبلين لدعم هذه المساعي.

غير أن جيتس يشدد على أن سرعة وتيرة هذا التطور وحجمه يختلفان تماماً عن أي ثورة تكنولوجية شهدها التاريخ. فالآلات تصبح أكثر ذكاءً من البشر في مجالات متعددة، ما يجعل التحول أقرب إلى تطور بيولوجي منه إلى مجرد نقلة تقنية. ويحذر من الاستهانة بهذا التحول أو الاطمئنان إلى أن الأمور ستسير على ما يرام لمجرد أن التكنولوجيا السابقة قد تجاوزت عثراتها.

إننا بحاجة ماسة وشديدة اليوم إلى استنهاض الحكمة البشرية الجماعية وتوظيفها، لضمان الاستفادة الآمنة والقصوى من الذكاء الآلي.