«أنثروبيك» والقواعد الذهبية الجديدة لقطاع الأعمال

باتريك فوليس

بعد قراءة المقال الأخير الذي كتبه داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، يصعب تجاهل ما يبدو تضارباً في المصالح؛ فهو يحذر من مخاطر التطور السريع للذكاء الاصطناعي، لكنه في الوقت نفسه لا يتخذ خطوات تمنع شركته من مواصلة التقدم في هذا المسار.

كما يسعى إلى حماية شركته من المقلدين، من دون الإقرار بأن النماذج الرائدة في الذكاء الاصطناعي دُرّبت أساساً على بيانات مملوكة لآخرين، وفي كثير من الحالات من دون إذنهم أو مقابل مالي لهم.

ومع ذلك، يطرح أمودي أفكاراً تستحق التوقف عندها. أولها دعوته إلى نقل السيطرة على معايير الذكاء الاصطناعي من الشركات المنفردة إلى تكتل أو نادٍ من الشركات المدعومة من الحكومة الأمريكية.

وثانيها إعلان «أنثروبيك» أنها ستعطي الأولوية لمصالح مجموعة من الدول، عرّفها أمودي بأنها الولايات المتحدة وحلفاؤها، أو الدول الديمقراطية، وهي مجموعات تمثل نحو 17 و45 % من سكان العالم على التوالي. ولم يتضح مدى إتاحة منتجات الشركة بصورة حرة في بقية دول العالم.

وتتعارض الفكرتان مع بعض القواعد الذهبية التي ترسخت طويلاً في عالم الأعمال، وفي مقدمتها احتفاظ الشركات بالسيطرة الكاملة على ملكيتها الفكرية، والسعي إلى انتشار عالمي واسع لمنتجاتها وخدماتها.

ولا تمثل «أنثروبيك» حالة منفردة في إعادة النظر في قواعد التجارة والأعمال. فقد ترسخت خلال تسعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع موجة التفاؤل بفكرة «نهاية التاريخ» والأسواق الحرة والديمقراطية، أربع قواعد أساسية للشركة النموذجية:

السعي إلى الانتشار في أوسع نطاق جغرافي ممكن، والحد من التنوع القطاعي، والاحتفاظ بملكية وسيطرة كاملة على الأنشطة الجوهرية، وتقليص الأنشطة غير الأساسية أو إسنادها إلى جهات خارجية.

وهيمنت الشركات التي اتبعت هذه المبادئ على الأسواق المالية الغربية؛ إذ تنظم أكثر من 70 % من الشركات الكبرى أعمالها وفق المنتجات أو الوظائف بدلاً من الجغرافيا، بما يعكس طموحاً نحو سوق عالمية موحدة.

لكن مفهوم «الشركة المثالية» يتغير اليوم. فالعالم لم يعد مسطحاً كما كان يفترض، ومع تفضيل الحكومات لشركاتها المحلية، أصبح التوسع داخل الأسواق الوطنية أكثر جاذبية نسبياً من التمدد عبر الحدود.

كما أن دمج الذكاء الاصطناعي في الأجهزة والمعدات يخلق فرصاً جديدة للتكامل بين القطاعات الصناعية المختلفة، في وقت أصبح فيه من الصعب الفصل بين الأنشطة المدنية والعسكرية، أو تحديد الأنشطة «غير الأساسية» التي يمكن إسنادها بأمان إلى جهات خارجية.

ومن كندا إلى اليابان، يتعرض مديرو الأصول، الذين يفترض أن تكون مهمتهم الأساسية تنويع الاستثمارات، لضغوط متزايدة لتبني نهج وطني.

وفي الوقت نفسه، تواجه سلاسل الإمداد اضطرابات أمنية متزايدة، من بينها الهجمات التي شنها الحوثيون، بينما أصبحت محاولات الشركات للسيطرة على عملياتها في الخارج أكثر عرضة للاصطدام بمفاهيم السيادة الوطنية.

وفي الحقب التاريخية السابقة التي اتسمت بالاضطرابات، كانت هياكل الأعمال مختلفة تماماً. ففي عام 1914، كان نحو 70 % من الاستثمار الدولي يتركز في السندات بدلاً من أسهم الملكية التي تمنح حقوق التصويت.

وكانت الشركات الفرنسية تفضل الاستثمار في روسيا القيصرية باعتبارها حليفاً. وفي عام 1936، احتفظت الشركات الأمريكية بنحو 72 % من استثماراتها الخارجية في نصف الكرة الغربي.

وكان نحو نصفها في أدوات دين ذات حقوق تصويت محدودة أو معدومة، ما وفر درجة أكبر من الأمان واستوعب في الوقت نفسه حساسيات السيادة.

واليوم، تعود روسيا لتشكل حالة اختبار استثنائية لقطاع الأعمال. فمع تقييد قدرة شركاتها على التوسع عالمياً، بدأت في تعزيز حضورها داخل السوق المحلية.

وبرز بنك «سبيربنك» باعتباره أحد أبرز الأسماء المدعومة من الكرملين في مجال الذكاء الاصطناعي. كما تغير مفهوم السيطرة ليتكيف مع متطلبات نظام حكم فلاديمير بوتين ومدته المتوقعة.

واحتفظت عشرات الشركات التي غادرت روسيا، ومنها «ماكدونالدز»، بخيارات تتيح لها إعادة شراء السيطرة على شركاتها التابعة هناك مستقبلاً، ربما بعد انتهاء حقبة بوتين.

وفي الصين، تحولت «هواوي» من إمبراطورية تعتمد على قطاعين رئيسيين إلى عملاق محلي يحقق السوق الداخلية نحو 70 % من مبيعاته، موزعة على خمسة قطاعات.

كما تسيطر شركات السيارات الصينية على أجزاء واسعة من سلاسل إمدادها، حتى إن «بي واي دي» أصبحت تشغل سفن الشحن الخاصة بها.

ولتقليص المخاوف المرتبطة بالسيادة في الأسواق الخارجية، تبدي هذه الشركات استعداداً للتخلي عن السيطرة الكاملة من خلال التراخيص والمشروعات المشتركة.

وفي الهند، أعادت مجموعتا «ريلاينس» و«تاتا» تبني مفهوم المشاركة في «بناء الأمة»، من خلال تنويع أنشطتهما عبر صناعات متعددة، تمتد من المشروبات الغازية إلى الدفاع الجوي.

وحتى في الولايات المتحدة، تحولت «أمازون» و«ألفابت» إلى تكتلات استثمارية ضخمة تملك أجزاء حيوية من سلاسل إمدادها، بما في ذلك تصميم الشرائح الإلكترونية.

وتعتمد استراتيجية «سبيس إكس» على أداء دور «العملاق التكنولوجي القومي» عبر تسعة قطاعات، تتراوح بين تعدين الكويكبات والسياحة.

وفي سعيها للحصول على دعم ورعاية حكومية في مجال الذكاء الاصطناعي، ذهبت «أوبن إيه آي» إلى أبعد من طرح أمودي، إذ عرضت منح الحكومة الأمريكية حصة ملكية فيها.

وفي قطاع الأدوية، ترغب شركات أمريكية في تطوير عقاقير جديدة في الصين، لكن التعقيدات الجيوسياسية جعلت عمليات الاستحواذ أكثر صعوبة، ما أدى إلى طفرة في عقود الترخيص والامتياز.

وأبرمت شركتا «بريستول مايرز سكويب» و«بايزر» صفقات في هذا المجال بلغت قيمتها 26 مليار دولار.

وفي أوروبا، تتجه بعض الشركات إلى التنويع لسد الثغرات الاستراتيجية؛ إذ تعمل الشركة الأم لسلسلة متاجر «ليدل» على إنشاء مراكز بيانات، بينما تتوسع «رينو» في صناعة الطائرات المسيرة العسكرية.

وفي الوقت نفسه، تنسق الحكومات جهودها للحد من نفوذ شركات التكنولوجيا الأمريكية على فروعها المحلية.

ويبقى مدى استمرار هذه الاتجاهات مرتبطاً بمدى ديمومة التحولات التكنولوجية والجيوسياسية الحالية. لكن المؤكد أن عدداً متزايداً من الشركات سيضطر إلى إعادة النظر في استراتيجيات التوسع الجغرافي، ومستويات التنويع، ونماذج السيطرة، ومدى الاعتماد على التعهيد الخارجي.

ويطرح ذلك سؤالاً أوسع: هل يستطيع «الوطنيون التكنولوجيون» في الولايات المتحدة غزو العالم، بافتراض أنهم لن يدمرونه أولاً؟

وتدعي «سبيس إكس» أن سوقها المحتملة تضم 1.8 مليار أسرة. وإذا طرحت «أنثروبيك» أسهمها للاكتتاب العام، فقد تضطر إلى إظهار طموح عالمي لتبديد الشكوك حول تقييمها السوقي المرتفع.

لكن هذا التوجه لا يحظى بإجماع. فقد قال رولان ليسكور، وزير المالية الفرنسي، عقب نشر مقال أمودي: «أستطيع بوضوح رؤية المصالح الذاتية الكامنة وراء ذلك».

وفي النهاية، فإن محاولة الجمع بين صفة «البطل الوطني» والطموح إلى أن تصبح الشركة منصة عالمية في الوقت نفسه تضعها أمام قاعدة ذهبية أخرى لا تزال حاضرة في عالم الأعمال: لا يمكنك الحصول على كل شيء في الوقت نفسه.