ألان بيتي
هل ترغب في التعرف على أحد ضحايا حرب الرسوم الجمركية، التي يشنها دونالد ترامب؟ دعني أعرفك بـ«هانك»، وهو شخصية افتراضية من وحي خيالي.
هانك تقني متقاعد مختص في الميكانيكا من ولاية إنديانا، يدير حالياً مشروعاً ناجحاً كمالك لشركة فردية؛ حيث يستورد مجسمات ألعاب الحروب الاستراتيجية لألعاب الطاولة من الصين، ثم يجري عليها تعديلات، بفضل مهاراته في تشكيل المعادن، ويرسلها بعد ذلك إلى إسبانيا لطلاء وتزيين المجسمات، وهي الأفضل في هذا القطاع عالمياً، وذلك قبل أن يعيد استيرادها ليبلي بلاء حسناً، ويحقق أرباحاً مجزية من بيعها، قد لا ترى في شخص مثل هانك بطلاً من أبطال العولمة، لكنه في الواقع كذلك تماماً.
وحتى قدوم ترامب، الذي صوّت هانك لصالحه كانت واردات هانك من الصين ثم من إسبانيا تدخل الولايات المتحدة بموجب استثناء «الحد الأدنى للرسوم الجمركية»، الذي يعفي الواردات التي تقل قيمتها عن 800 دولار، ولكن منذ أن ألغى ترامب هذا الإعفاء أصبحت تجارة هانك تعيش حالة من التخبط والاضطراب، فالواردات غير المعالجة القادمة من الصين أصبحت تخضع الآن للرسوم الجمركية، أما بالنسبة للمجسمات المعاد استيرادها من إسبانيا فإن الرسوم المفروضة عليها ستعتمد جزئياً على ما إذا كانت السلعة ستُعامل كونها منتجاً ذات منشأ صيني بعد التعديلات التي أدخلها هانك عليها أم لا، ولأن هانك شخصية من خيالي فقد قمت بجمع هذه المعطيات دون الاستعانة باستشارة جمركية متخصصة، لذا يرجى تصويب معلوماتي إن كنت مخطئاً، لكن بغض النظر عما إذا كان ملزماً بدفع الرسوم على القيمة المضافة في إسبانيا فقط أو على إجمالي قيمة المنتج الخاضع لإعادة الاستيراد، يجب على هانك الخوض في دهاليز اللوائح المعقدة لهيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية والمتعلقة بـ«البضائع المستوردة للإصلاح أو التعديل»، وسيكون عليه تقديم إقرار جمركي معقد وموقع منه، ومن الشركة المختصة في الطلاء، فضلاً عن دفع الرسوم الجمركية عند إعادة الاستيراد، وإذا صادفه سوء حظ بالغ فقد تعتبر البضائع غير مكتملة التصنيع عندما مغادرتها الأراضي الأمريكية، لأن تصنيف المجسمات غير المطلية كونها منتجاً نهائياً أو غير نهائي يعتمد على القرارات السابقة لهيئة الجمارك، وبالتالي ستخضع للرسوم الجمركية الكاملة في رحلة العودة.
وقد ينتهي الأمر بهانك إلى التخلي عن مشروعه التجاري وإغلاقه بالكامل، والمفارقة أن هانك يخطط الآن للتصويت لصالح الحزب الديمقراطي في انتخابات نوفمبر المقبل.
وكان ترامب قد ألغى استثناء «الحد الأدنى» للواردات القادمة من الصين في مايو 2025، ثم عمّم الإلغاء على الشحنات القادمة من جميع الدول في أغسطس؛ وسارت قوى تجارية أخرى، بما فيها الاتحاد الأوروبي، على النهج نفسه.
وفي الأشهر الأخيرة أقرت دستورية هذا القرار في الولايات المتحدة بموجب حكم صادر عن محكمة التجارة الدولية الأمريكية،
وكان من المفترض أن توجّه هذه الخطوة ضربة للشركات الصينية مثل «تيمو» و«شي إن»، اللتين تبيعان منتجاتهما مباشرة للمستهلكين الأمريكيين.
وبالفعل لم تكن النتائج سارة بالنسبة لهما؛ إذ تراجعت أرباح الشركة الأم لـ«تيمو» بشكل حاد بعد إلغاء الاستثناء، إلا أن الشركتين تكيفتا مع الوضع الجديد عبر التحول نحو نموذج المستودعات والمخازن المحلية واستخدام شركات توصيل مملوكة لجهات صينية داخل الولايات المتحدة، وهكذا فإن التخلص من استثناء «الحد الأدنى» كان يستهدف ضرب «تيمو»، لكنه ألحق أضراراً جانبية بآلاف الأشخاص من أمثال هانك.
إن عبارة من قبيل «يبدو الطرح جيداً، ولكن ماذا عن المعاملات الورقية والبيروقراطية؟» لا تنتمي بوضوح إلى نوعية الاعتراضات التكنوقراطية المبتذلة، التي تحظى باهتمام لدى إدارة ترامب.
لقد تطلب إلغاء استثناء «الحد الأدنى» إنشاء نظام جديد يستهدف الطرود ذات القيمة المنخفضة.
ورغم أن الهدف منه كان تبسيط الإجراءات إلا أنه أصبح يتطلب إقرارات مفصلة، ما زاد من أعباء العمل على المتخصصين في الشؤون الجمركية.
إن الأثر التقليدي للرسوم الجمركية والقيود التجارية، بل وللتنظيمات واللوائح عموماً، يتمثل في إعطاء الأفضلية للشركات الكبرى، التي تمتلك قدرة أكبر على الامتثال التنظيمي.
وتسيطر الشركات الكبرى بالفعل بقوة على حركة التجارة، حيث تستحوذ على نحو ثلثي إجمالي صادرات البضائع الأمريكية من حيث القيمة، وحتى هذه المؤسسات العملاقة بدأت تشعر بالإنهاك؛ إذ كشف مسح متخصص أجرته «الجمعية الأمريكية للمصدرين والمستوردين»، بالتعاون مع شركة سلاسل الإمداد «ألتانا» أن أكثر من نصف الشركات ذات حجم الأعمال الضخم لا تشعر بأنها «جاهزة للتجارة» فيما يتعلق بالتعامل مع التعقيدات البيروقراطية.
وكلما غرقت الشركات المصدرة في موجات متتالية من المعاملات الورقية ازدادت الميزة التنافسية للشركات العملاقة.
وتتضمن اتفاقيات التجارة التفضيلية بشكل روتيني فصولاً مخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، ما يتيح للوزراء فرصة الحديث المكرر عن أهمية تمكين «الأسماك الصغيرة المرنة» من السباحة في مياه التجارة الدولية الصافية إلى جانب «الحيتان العملاقة» وما إلى ذلك، غير أن هذه النصوص ينظر إليها على نطاق واسع، وبشكل صحيح، على أنها مجرد استعراض شكلي للاستهلاك الإعلامي.
وقد قدمت البحوث المتعلقة بآثار الرسوم الجمركية، التي فرضها ترامب خلال ولايته الأولى على شبكات الإنتاج العالمية تفاصيل أكثر عمقاً حول كيفية استجابة الشركات، فقد تم تحويل مسار الصادرات الصينية عبر دول ثالثة، مع نقل بعض عمليات الإنتاج أحياناً، بينما تولت الشركات متعددة الجنسيات ذات الشبكات المرنة الجزء الأكبر من عملية إعادة هيكلة سلاسل الإمداد.
في المقابل لم يكن بمقدور الشركات المحلية الفردية سوى الاستسلام للصدمة وتحمل وطأتها مباشرة.
وتقترح إدارة ترامب الآن حيلة تنظيمية جديدة، تخلق المزيد من البيروقراطية، تظهر في صورة فرض متطلبات إفصاح وتقارير إضافية لمنع شاحني البضائع من التلاعب في تحديد بلد المنشأ للواردات، وهي محاولة لمعالجة مشكلة خلقتها الإدارة بنفسها، وينظر الخبراء والمتخصصون في هذا القطاع بعين الشك إمكانية تطبيق هذه الإجراءات، بالنظر إلى العبء المفرط والضغط الهائل، الذي يعانيه النظام الإداري والجمركي بالفعل، وسواء تم تطبيق هذه المقترحات أم لا فإن هناك حقيقة واحدة واضحة لا لبس فيها: في كل مرة يتم فيها ابتكار مثل هذه المبادرات والقرارات فإنها تصب في صالح الشركات متعددة الجنسيات على حساب أمثال «هانك».