لماذا ترتفع العائدات وتتراجع سندات الخزانة الأمريكية؟

روبرت آرمسترونج
مهما كان أسبوعك سيئاً، ومهما ألحقت بك سوق السندات من أذى، فمن المستبعد أنك قضيت أوقاتاً أشد قسوة من التي عاشها موظف «مورجان ستانلي» الذي أرسل بالخطأ قائمة بالصفقات المصرفية الاستثمارية الحقيقية والمحتملة للبنك إلى قائمة توزيع واسعة، حسبما أفادت به شبكة «بلومبرج». 

إنه الكابوس بعينه، وشعور يتسبب بقشعريرة من كثرة الإحراج. وفي الوقت الذي يتألم فيه المصرفيون المنافسون ويضحكون في الوقت نفسه، يجدر بهم أن يتذكروا دائماً: قد تكون أنت الضحية التالية.

في يوم الأربعاء، ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بمقدار 14 نقطة أساس، وهو ارتفاع كبير. ويوم الخميس، ظل العائد ثابتاً فوق مستوى 5.1 %، ما أدرى لارتفاع تكاليف الاقتراض في بقية أنحاء العالم.

ما سيكون له تداعيات مؤلمة على الوضع المالي لدول عدة، وعلى الأسواق بشكل عام. لكن تذكر أن هذا الأمر ليس مفاجئاً؛ إذ توجد أسباب واضحة جداً لارتفاع عائدات السندات حالياً، ولا يوجد دليل محدد يرجح أننا بلغنا الذروة بعد.

ولنبدأ بالأساسيات، أي العوامل الرئيسية التي تدفع العائدات نحو الارتفاع، وتسحق أسعار السندات نحو الانخفاض، على المدى الطويل. العامل الأول هو تجاوز التضخم للمستويات المستهدفة. إذ يبلغ تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة 3.6 %، ويتجه نحو الأسوأ.

ورغم أننا حللنا أرقام التضخم بطرق لا حصر لها خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أن هذا هو الواقع. وصحيح أن ارتفاع أسعار النفط لا يفسر هذا الوضع بمفرده، لكنها بالتأكيد لا تحسن الوضع.

وإذا أقدمت الولايات المتحدة على حظر صادرات الديزل، وهو قرار سيدخل قائمة أسوأ القرارات السياسية إذا تحقق، فسيؤدي ذلك لارتفاع التضخم عالمياً وبشكل فوري تقريباً، ثم يمتد أثره إلى الولايات المتحدة لاحقاً. كما أن الرسوم الجمركية تشكل جزءاً صغيراً جداً من تفاصيل المشهد، لكن لا يمكن تجاهل أثرها بالكامل. وأياً كانت قائمة الأسباب، فإن هذا هو الواقع.

أما العامل الأساسي الثاني، فهو تسارع نمو الاقتصاد الأمريكي؛ إذ يظهر سوق العمل قوة واضحة.

والإنفاق الاستهلاكي، رغم وجود بعض المؤشرات الضعيفة، قوي بشكل عام. وطفرة الإنفاق على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تتسارع، بينما يحافظ الاستثمار في قطاع الأعمال بشكل عام على قوته، وأرباح الشركات مستمرة في النمو والازدهار.

وإذا كان التضخم ينجم في الأساس عن تجاوز الطلب لحجم المعروض، فإن جانب الطلب يتجه ليصبح التحدي الأكبر والأشد في المدى القريب.

والعامل الأساسي الثالث هو مصداقية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي؛ إذ يتصرف رئيس الفيدرالي، كيفين وارش، ويتحدث بأسلوب الصقور بوضوح، وبدأت الأسواق تصدق توجهه المتشدد.

وسيرفع الفيدرالي أسعار الفائدة، ما قد يؤدي إلى تهدئة الاقتصاد في نهاية المطاف وخفض الفائدة لاحقاً، غير أن هذه الزيادات تشكل ضغطاً متصاعداً إضافياً على الفائدة في المدى القريب.

في ضوء هذه المعطيات، لا يوجد ما يدعو للاندهاش إذا تجاوز عائدات سندات الخزانة مستوى 5 %.

بل إن العوامل المذكورة تجعل من الممكن تصور وصولها لمستويات أعلى؛ إذ يتبع عائد سندات الأجل لـ 10 سنوات نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بصورة تقريبية، بحيث يقل عائد السندات بنقطة مئوية واحدة تقريباً عن نمو الناتج الاسمي في الظروف العادية.

وبما أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي تجاوز 6.5 % في الربع الماضي، بل وقد يتجاوز ذلك في الربع الجاري، فإن العائد عند مستوى 5% يبدو، في هذا السياق، منخفضاً بعض الشيء.

وإذا تجاوزنا العوامل الأساسية، فلن تتحسن الصورة؛ فالوضع المالي للولايات المتحدة ضعيف، وهناك معروض ضخم من سندات الخزانة في الطريق، والمنافسة من شركات التكنولوجيا العملاقة على التمويل لا تساعد الوضع. وأخيراً، تبدو قاعدة المشترين لسندات الخزانة أكثر تقلباً.

وفي توقيت بالغ الدقة، أصدر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ورقة بحثية في وقت سابق من الشهر أشار فيها إلى أن سوق سندات الخزانة أصبح أكثر حساسية للأسعار بمرور الوقت، مدفوعاً بتراجع مشاركة المستثمرين الأجانب الرسميين الأقل حساسية للأسعار، وتزايد دور صناديق التحوط وغيرها من المستثمرين من القطاع الخاص الأكثر حساسية للأسعار.

وقد أثبت الواقع صحة هذا الطرح سريعاً، ما يطرح سؤالاً مثيراً للاهتمام بقدر ما هو مرعب: ماذا سيحدث لسوق السندات بأكملها إذا تعرضت صناديق التحوط، التي أصبحت المشتري الرئيسي والمنقذ للسوق، لخسائر فادحة وعمليات تصفية قسرية مفاجئة؟

المؤسف أننا شاهدنا هذا الفيلم من قبل، فعندما اندلعت توترات الشرق الأوسط، تعرضت صناديق التحوط لخسائر فادحة في الديون البريطانية والأوروبية قصيرة الأجل.

والسرعة التي ارتفعت بها العائدات يوم الأربعاء تشير بوضوح إلى وجود عمليات بيع قسرية ضمن هذا المشهد. وتعد هذه هي البيئة مثالية لاندلاع نوع من الأزمات والحوادث المالية المفاجئة.