دراسات تكسر أحد محظورات البنوك المركزية

كريس جايلز
إذا كان هناك أمر يتفق عليه مسؤولو البنوك المركزية عادة، فهو أن السياسة النقدية تؤثر في جانب الطلب لا في جانب العرض. 

فرفع أسعار الفائدة يزيد جاذبية الادخار ويضغط على الموارد المالية للمقترضين، ما يدفعهم إلى تقليص إنفاقهم.

وتؤدي هذه الاستجابة إلى خفض الطلب وإيجاد قدر من الفائض في الطاقات الاقتصادية غير المستغلة، ما يمنع الشركات من زيادة الأسعار ويمنع العمال من المطالبة بأجور أعلى. وتعد هذه السلسلة الآلية الرئيسية لإنفاذ سياسة نقدية متشددة تكبح ضغوط التضخم.

وقد اعتمد كيفين وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، النموذج الفكري نفسه عندما ألقى كلمته في مؤتمر جاكسون هول، حيث قال: «تستهدف إجراءات الاحتياطي الفيدرالي ضمان اتساق إجمالي جانب الطلب في الاقتصاد بوجه عام مع إجمالي جانب العرض».

وكان سلفه جيروم باول قد تحدث في 2022 عن كيفية خفض التضخم في مرحلة ما بعد الجائحة عبر «تهدئة نمو الطلب على العمالة»، مشيراً إلى أن «السياسات الداعمة لعرض العمالة لا تدخل في نطاق اختصاص الفيدرالي، إذ تقتصر أدواتنا في المقام الأول على التأثير في الطلب».

وجاء تصريح أوستان جولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، أكثر صراحة خلال كلمته في لندن، إذ قال: «لا يستطيع الفيدرالي ضخ النفط، كما أنه لا يتحكم في منحنى العرض.

ومن ثم، إذا تصاعدت ضغوط التضخم بسبب صدمة عرض سلبية، فإن الخيار الوحيد أمام البنك المركزي لسد هذه الفجوة هو خفض الطلب، وبالتالي تقليص الإنتاج والتوظيف».

لكن، ماذا لو كان هذا التوافق التقليدي بين صناع السياسة النقدية ينطوي على خطأ؟ إن كسر هذه القناعة الراسخة أمر يجدر بفريق عمل تقييم التضخم، الذي شكله وارش ويقوده الاقتصاديون جريج مانكيو وتوماس سارجنت وبيل وايت، أن يضعه في الاعتبار.

ورغم أنه من البديهي أن الفيدرالي لا يمكنه ضخ النفط، فليس من البديهي إطلاقاً صحة افتراض بأن أدوات صانعي السياسة النقدية تؤثر في الطلب على العمالة دون العرض.

ولفهم ذلك، يمكن التأمل في كيفية تعامل النماذج القياسية لسوق العمل مع الضرائب والضمان الاجتماعي.

فإذا أدت زيادة الضرائب لاقتطاع المبلغ نفسه من أفراد المجتمع، سواء أكانوا بلا عمل أم يعملون بدوام كامل، فإن الاستجابة المتوقعة في سوق العمل هي السعي لزيادة ساعات العمل لتعويض الخسارة في القوة الشرائية.

ويعرف هذا اقتصادياً بـ «أثر الدخل السلبي»، والذي تظهر الدراسات أن أثره يتضح في الفئات الأكثر استجابة للتغيرات الضريبية، مثل النساء اللاتي لديهن أطفال، وأصحاب الوظائف غير المستقرة؛ إذ يستجيب الأفراد لانخفاض دخلهم برغبة أكبر في العمل.

ويمكن لرفع أسعار الفائدة أن يضغط على الموارد المالية للأسر بالأسلوب نفسه تماماً كالزيادة الضريبية، ما يولد أثر الدخل السلبي ذاته، ويوفر حافزاً للبحث عن عمل أو زيادة ساعات العمل.

وإذا نجحت السياسة النقدية المتشددة في تحفيز عرض العمالة، فإنها لن تخلق الفائض المطلوب في سوق العمل عبر تخفيض الطلب على العمالة فحسب، بل وأيضاً من خلال تشجيع المزيد من الأفراد على السعي للحصول على فرص عمل إضافية.

وهذا يعني أن رفع أسعار الفائدة قد لا يتطلب خفض مستويات التوظيف بالقدر الذي كان يعتقد سابقاً لإحداث ضغط على الأجور والأسعار.

وكما أوضحت ميتالي داس، من كبار الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، فإن هذه الآلية تمنح البنوك المركزية «فاعلية أكبر لكل وحدة تشديد نقدي».

وحتى الآن، لا يزال هذا الطرح في إطاره النظري لدى الكثيرين، غير أن الأدلة تتزايد على أن عرض العمالة يتأثر بالفعل وبدرجة ملموسة بالسياسة النقدية.

وتعد الورقة البحثية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، التي أعدها ميتالي داس، وجوناثان هامبور، وكلاوس-بيتر هيلفيج، وجون سبراي، الدليل الأوضح؛ إذ تتميز القروض العقارية في أستراليا بخضوعها لأسعار فائدة متغيرة، ما جعل الارتفاع الحاد للفائدة منذ 2022 يؤدي لتراجع سريع في القوة الشرائية للمقترضين.

ووجد الباحثون أن الأفراد الحاملين لديون مرتفعة زادوا مشاركتهم بسوق العمل بدرجة أكبر، حيث ارتفعت احتمالية التوظيف لديهم بمقدار 0.9 نقطة مئوية مقارنة بفئة الديون المنخفضة، وارتفع عدد الوظائف لكل 100 عامل بمقدار 1.6، وزادت الأجور والإنتاجية العمالية بنسبة 3.1%.

وفي دراسة أخرى، فحص سيباستيان جريفز، وكريستوفر هوكفيلدت، وإريك سوانسون التحولات التي يمكن إرجاعها بوضوح إلى عرض العمالة، مع التركيز على التحول من عدم البحث عن عمل إلى البحث الفعلي عنه، ومعدلات الاستقالة الطوعية. ووجدوا أن السياسة المتشددة قللت الاستقالات المؤدية للخروج النهائي وزادت عدد الباحثين عن عمل.

وأظهرت المحاكاة أن انخفاض التوظيف كان سيزيد بمقدار الضعف لو أُبقي على معدل الاستقالات ومعدل عرض العمالة ثابتاً، ما يعني أن استجابة العرض حدت من الهبوط الحاد في التوظيف الإجمالي.

على النحو نفسه، درس فرانشيسكو بلويز، وكريستيانو كانتوري، وميركو ليكيتا، وجوزيبي راجوسا تحركات الأفراد في الأسواق الأوروبية، وتوصلوا للنتيجة ذاتها؛ إذ أدت السياسة النقدية المتشددة لزيادة تدفقات غير المشاركين إلى فئة الباحثين عن عمل.

كما وجد كانتوري، وفيليبو فيروني، وهارون ممتاز، وأنجيليكي ثيوفيلوبولو أنه رغم انخفاض إجمالي ساعات العمل نتيجة تراجع الطلب، قامت الفئات الواقعة في أدنى سلم الدخل بزيادة ساعات عملها تحت أثر الدخل السلبي.

وخلصوا إلى أن «تكلفة خفض التضخم بالنسبة للسلطة النقدية أصبحت أقل بكثير بفضل استجابة عرض العمالة المعاكسة للدورة الاقتصادية لدى الفئات الأدنى دخلاً».

وتظهر هذه النتائج أن الأدلة تتزايد على تأثير السياسة النقدية في عرض العمالة والطلب عليها معاً، ما يعني أن البنوك المركزية قد تكون قادرة على خفض التضخم دون التضحية بمستويات توظيف مرتفعة، والنتيجة العملية هي امتلاكها مبرراً لتكون أكثر جراءة وسرعة في اللجوء لرفع أسعار الفائدة.