هاكيونغ كيم
يفصل الأسواق ما يزيد قليلاً على شهر واحد عن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وحالياً يسيطر الحزب الجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ، ويسود إجماع محللي السياسات في وول ستريت إلى سيناريو، يستعيد فيه الديمقراطيون الأغلبية في مجلس النواب، مع احتفاظ الجمهوريين بمجلس الشيوخ.
وعلى الجانب الآخر تشير التوقعات على منصة «كالشي» إلى ترجيح اكتساح الديمقراطيين للمجلسين معاً، ومع أننا لا نعمل في مجال التنبؤات السياسية إلا أننا نهتم بدراسة التداعيات السوقية للسيناريوهات المحتملة، خصوصاً التداعيات المتعلقة بالسياسة المالية، لكن إذا تحقق هذا السيناريو فلن يطرأ تغيير يذكر على المشهد المالي العام، بسبب ارتفاع حدة التجاذبات، والخلافات التشريعية المتوقعة.
وفي هذا السياق يوضح غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في مؤسسة «إي واي-بارثينون»: «كلما انقسم الكونجرس بين الحزبين مال النشاط التشريعي المالي إلى التراجع، ما لم تقع حالة ركود اقتصادي، تدفع صناع القرار إلى التكاتف لتقديم حزم دعم اقتصادية، لكن في ظل الظروف الراهنة لا نتوقع حدوث ركود، وبالتالي فإن أي تحفيز مالي لن يتعدى كونه مشروع قانون لتسوية الميزانية».
أما الاستثناء الذي يشير إليه داكو فهو أنه في حال فقدان الجمهوريين الأغلبية في مجلس النواب فقد يعمدون إلى تمرير قانون تسوية ميزانية، يركز على الإنفاق الدفاعي خلال الفترة الانتقالية، التي تسبق أداء الكونجرس الجديد اليمين الدستورية.
وكان الرئيس دونالد ترامب قد طلب اعتماد 350 مليار دولار عبر آلية التسوية الميزانية هذه.
وحتى لو تحققت مطالب ترامب بالكامل، وهو أمر غير مرجح، يوضح إلياس حداد، المحلل في «براون براذرز هاريمان»، أن هذه الزيادة تعادل نحو 0.3 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، وهي دفعة مالية محدودة الأثر.
ويضيف «من غير المرجح أن تؤدي هذه الزيادة إلى تغيير توقعات أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي، وحتى لو تم إقرار حزمة التسوية الميزانية الثالثة بمبلغ قريب من طلب الرئيس فإن الشلل التشريعي داخل الكونجرس سيعيق إقرار أي إنفاق مالي إضافي في المستقبل، ما يعني أن السياسة المالية ستشكل ضغطاً مكبلاً للنمو الاقتصادي».
أما الاكتساح الجمهوري فهو السيناريو الأقل توقعاً في أوساط المحللين.
وفي حال حدوثه قد يشهد العام المقبل إقرار حزمة تسوية ميزانية ضخمة تتجاوز تريليون دولار؛ إذ تبلغ تكلفة اقتراح ترامب بصرف مدفوعات مباشرة بقيمة 5000 دولار لكل بالغ نحو 1.3 تريليون دولار بمفردها.
ويشير مايكل ماكلين، المحلل في بنك «باركليز»، إلى أن سيناريو السيطرة الكاملة للجمهوريين «من شأنه دعم النمو الاقتصادي، والضغط باتجاه رفع أسعار الفائدة، وخلق البيئة الأكثر تشجيعاً للمخاطرة في أسواق الائتمان».
ويرى مراقبون أن هذا التقييم يعكس تقديرات حذرة قد تكون أقل من الأثر الواقعي الفعلي على الأسواق.
هناك أيضاً سيناريو سيطرة الديمقراطية، فقد شهدت واشنطن سيناريو مشابهاً لوجود رئيس جمهوري مع كونجرس بديمقراطيين في عام 2006، ويلفت إلياس حداد إلى أمر مهم في تلك التجربة التاريخية، وهو أن «الانقسام السياسي لم يؤدِ حينها إلى تجمد السياسة المالية»، ففي العام الأول الذي أعقب الانتخابات النصفيّة تم تيسير السياسة المالية، بينما خفض الاحتياطي الفيدرالي تكاليف الاقتراض لمواجهة الضغوط في قطاعي الإسكان والائتمان، غير أن المقارنة بين المحطتين ليست متطابقة تماماً؛ إذ إن مؤشرات ضعف الاقتصاد والأزمة المالية التي كانت تلوح في الأفق حينها هي التي دفعت الحزبين للتكاتف.
ويقول داكو: «عادة ما نشهد تحركاً توافقياً بين الحزبين في الكونجرس عند مواجهة الأزمات».
وبصرف النظر عن احتمالات الركود فإن أي ارتفاع كبير إضافي في عوائد السندات قد يدفع الحزبين نحو جهود مشتركة لخفض الإنفاق، على غرار خُطة «سيمبسون-بولز»، التي لم تكلل بالنجاح في أوائل العقد الماضي، غير أن الشكوك ما زالت تحيط بإمكانية تكرار هذا المسار.
من جهة أخرى، وعلى نحو أوسع، أثبتت إدارة ترامب مراراً أنها لا تلتزم بالأعراف السياسية التقليدية، ولا تنتظر موافقة الكونجرس قبل اتخاذ قراراتها، ولا يوجد ما يدعو لتوقع تغيير في هذا السلوك خلال العامين الأخيرين من ولايته الرئاسية.
وفي هذا الصدد يقول إد ميلز، المحلل في شركة «رايموند جيمس»: «لقد أبلغت العملاء بضرورة التخلي تماماً عن الصورة الذهنية لأسلوب إدارة الرؤساء في أواخر ولايتهم الرئاسية عند فقدانهم النفوذ السياسي، إذ إن دونالد ترامب سيكون مختلفاً عن أي رئيس آخر في هذه المرحلة عبر التاريخ؛ فهو لا ينتهج الدفاع بل يندفع دائماً نحو الهجوم.
وكان الأثر الأكبر لرئاسته على الأسواق يتحقق عندما يلجأ إلى القرارات التنفيذية المباشرة، وأتوقع أن تصبح القرارات التنفيذية سمة أكثر بروزاً في رئاسته، خصوصاً إذا واجه كونجرس أغلبيته من الديمقراطيين، وسيذهب في اتخاذها إلى أبعد الحدود».
وهناك بعد إضافي يتعلق بمدى تأثير نتائج الانتخابات على الاستثمار في قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي يمثل المصدر الرئيسي للنمو الهامشي في الناتج المحلي الإجمالي؛ إذ أصبحت مشاريع بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي موضوعاً مثيراً للجدل المحلي المتزايد.
وأوضح ميلز: «أحد الدروس الرئيسية المتوقعة من هذه الانتخابات هو: إن عارضت إنشاء مراكز البيانات فستفوز، وإن دعمتها فستخسر».
بناء على ذلك فإن الإرث الاقتصادي الأكبر لهذه الانتخابات قد لا ينعكس على السياسة المالية الاتحادية بواشنطن، بل في السياسات المحلية والولائية المتعلقة بتنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي.