آدم توز - محرر مساهم في «فايننشال تايمز» ومؤلف نشرة «تشارت بوك»
عند وصف سباق الذكاء الاصطناعي الحالي، فإن القياس التاريخي الأكثر تداولاً هو تشبيهه بسباق التسلح النووي. فقد ربط البيت الأبيض في عهد ترامب «مبادرة جينيسيس» للذكاء الاصطناعي بـ«مشروع مانهاتن». وهو المجهود الحربي الذي تم بذله خلال الحرب العالمية الثانية لتطوير أولى القنابل الذرية. ويهدف هذا الربط التاريخي إلى إضفاء طابع يجمع بين الإلحاح والمأساوية وبث الطمأنينة في الوقت نفسه. ولهذا السبب يعد هذا التشبيه غير مفيد؛ ورغم أن إعادة التذكير بمختبرات «لوس ألاموس» يبدو أمراً بالغ الجدية، إلا أنه يقدم صورة مجملة للواقع الدرامي الذي نعيشه اليوم. وبالنسبة لمن يدفعون بضرورة التعجل والأهمية القومية للذكاء الاصطناعي، تبدو جاذبية «مشروع مانهاتن» أمراً مفهوماً؛ فقد تم توظيف إنجاز علمي مذهل، تحقق على يد ألمع عقول ذلك الجيل، في خدمة الانتصار في الحرب ضد الفاشية. ورغم أن المعضلات الأخلاقية كانت حقيقية، إلا أنها تجسدت في شخصيات مثل «أوبنهايمر» ببعد أخلاقي صارم ورصين. لكن عالمنا اليوم مختلف تماماً.
فمن ناحية، كانت القنابل الذرية الأولى أجهزة متفجرة متواضعة نسبياً؛ إذ كانت صالحة لتدمير مدن بعينها لا حضارات بأكملها، ناهيك عن البشرية جمعاء. أما ذلك النوع من المخاطر الوجودية الكارثية، التي يجري نقاشها الآن بشكل متقطع في «وادي السيليكون»، فلم يظهر في سباق التسلح النووي إلا مع بزوغ فجر العصر النووي الحراري في خمسينيات القرن الماضي وتطوير القنبلة الهيدروجينية.
وإذا كنت تبحث عن سردية تعكس تلك الحقبة، فإن العمل المرجعي الأبرز هو الفيلم الساخر للمخرج ستانلي كوبريك: «دكتور سترينجلوف» (Dr. Strangelove). ومن اللافت في ذلك السيناريو للكارثة النووية أن من بادروا بشن الضربة الأولى، وبالتالي تفعيل «آلة يوم القيامة» السوفييتية، كانوا عملاء مارقين؛ أي بشراً حقيقيين لا برمجيات حاسوبية. ووجه المقارنة هنا لا يبعث على التفاؤل. فقد كان هدف كوبريك تسليط الضوء على الجنون الواضح والكامن في صميم عقيدة الردع. فمن شخصية «راعي البقر» في الحرب الباردة الذي لا يفارق السيجار فمه، إلى النازي السابق، الذي لم يتخل تماماً عن ماضيه، والمستغرق في تأملات حول نسب الجنسين داخل المخبأ الذري، تداخلت شتى أنواع الهواجس الأيديولوجية مع منطق تدميري متبادل قائم على مبدأ «العين بالعين».
ولكن رغم الطابع السوداوي والكوميدي لفيلم «دكتور سترينجلوف»، فإن واقعنا الحالي أكثر عبثية. صحيح أننا نرى الأطر القديمة ذاتها: الاستبداد في مواجهة الديمقراطية، والصين في مواجهة الولايات المتحدة ، إلا أن الفاعلين الرئيسيين في المشهد اليوم ليسوا علماء أو جنوداً أو موظفين حكوميين، بل هم رجال أعمال تحركهم تضاربات مصالح هائلة. فعندما أخذ رؤساء شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» على عاتقهم التحذير من «المخاطر الوجودية» والمطالبة بـ«تنظيم سرعة التطور التقني»، ثارت الشكوك فوراً في أنهم يروجون لأجنداتهم التجارية الخاصة؛ إذ كانوا يبثون الذعر بهدف فرض قوانين تنظيمية، تضمن احتكارهم الهش. وعنوان صحفي من قبيل: «صانعوا الصواريخ في مواجهة مع وول ستريت بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة النووية» لم يكن ليخطر ببال حتى كوبريك نفسه.
إن الفارق الحقيقي الذي يفصلنا عن «مشروع مانهاتن» وعن فيلم «دكتور سترينجلوف» يكمن في الاقتصاد السياسي. فقد قدرت دراسة أعدها معهد «بروكينغز» أن الولايات المتحدة أنفقت بين عامي 1940 و1996 نحو 5.5 تريليونات دولار، بقيمة الدولار في التسعينيات، على سباق التسلح النووي. وذهب جزء كبير من هذه الأموال إلى المقاولين من القطاع الخاص، الذين بذلوا قصارى جهدهم لضمان إبقاء المؤسسة التقليدية للسياسة الخارجية في واشنطن في حالة استنفار دائم لضمان تدفق الأموال. إلا أنه من حيث البنية العامة، كان «مشروع مانهاتن» النموذج المثالي للسياسة الصناعية الحكومية القائمة على التكنوقراطية، وهو ما دشن عصر البحث العلمي في «الجامعات الكبرى» بتمويل حكومي؛ وهي المنظومة التي تعارضها إدارة ترامب وشخصيات مثل إيلون ماسك بشدة.
يكمن الجانب الفريد وغير المسبوق في التهديد الذي يمثله الذكاء الاصطناعي حالياً في حقيقة أنه، رغم تداعياته الجيوسياسية العميقة، فقد ولد في أحضان القطاع الخاص، وانبثق من المنطق التقني والتجاري الذي يحرك محركات البحث وخوارزميات الإعلانات. إنه نتاج «وادي السيليكون» في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وهي الفترة التي شهدت انتقالاً جوهرياً لميزانيات البحث والتطوير من القطاع العام إلى القطاع الخاص. وفي البداية، كان تمويله يتم ذاتياً عبر الميزانيات العمومية الضخمة والمكتنزة بالسيولة في شركات التكنولوجيا. ولكن مع احتدام سباق التوسع الهائل وصولاً إلى «الذكاء الاصطناعي العام» (AGI)، أصبحت المخاطر التكنولوجية الوجودية مرتبطة بشركات «وول ستريت» وآليات المالية المفرطة.
إن العالم الذي نعيشه اليوم ليس عالم صناع القنابل الزهاد الذين يصارعون ضمائرهم، بل هو عالم أكثر سوداوية وابتذالاً. فالتقنيات التي تهدد العالم اليوم يغذيها جشع أصحاب التريليونات، والسندات عالية المخاطر، والهندسة المالية الهشة. وإذا أردنا تجسيد ذلك سينمائياً، فتخيل مزيجاً من فيلم «دكتور سترينجلوف» مع شخصية جوردون جيكو الشهيرة بشعار «الجشع جيد» في فيلم «وول ستريت»، مع لمسة من فيلم «العجز المالي الكبير». وإذا كانت هذه هي الطريقة التي ينتهي بها العالم، فلن تكون بصرخة مدوية ولا بأنين خافت، بل في دوامة من المصطلحات التقنية المعقدة، ونمط الحياة الكاليفورني، والتلاعب بالهندسة المالية.

