الرهن العقاري مشكلة لـ«الفيدرالي» والولايات المتحدة

روبرت أرمسترونج
اشتريت منزلي في حي بروكلين بنيويورك عام 2020، عبر تمويل عقاري بفائدة ثابتة لمدة 30 عاماً بمعدل 2.75 %.

ومنذ ذلك الحين، أدى التضخم وزخم النمو الاقتصادي إلى دفع متوسط سعر الفائدة على القروض العقارية المماثلة إلى ما يتجاوز 7 %.

وهكذا، أصبحت أستفيد من تمويل منخفض الكلفة، بفارق شاسع عن أسعار السوق السائدة، في حين واصلت قيمة عقاري الارتفاع بمعدل يوازي التضخم أو يتجاوزه، وفق ما تشير إليه أدوات التقييم العقاري عبر الإنترنت.

ورغم شعوري بالرضا والزهو بهذا الوضع، إلا أنه يضر بالبلاد، كما أنه لا يصب بالكامل في مصلحتي الشخصية، فما لم تتغير الأمور، سأظل مقيداً بهذا المنزل حتى وفاتي أو بلوغي سن التاسعة والسبعين، أيهما أقرب.

وهل يمكنني الانتقال إلى منزل أصغر بعد رحيل الأبناء؟ أو الانتقال لمدينة أخرى من أجل عرض وظيفي مغرٍ؟ كلا؛ فكلا الخيارين سيجعلني أفقر. القروض العقارية المماثلة لقرضي، هي السبب وراء ما يعرف بـ «جمود أسعار المنازل الأمريكية»، أي مقاومتها للهبوط.

فعندما يكون الاقتصاد قوياً، أو تكلفة الاقتراض منخفضة، ترتفع أسعار المنازل بسرعة، أما حين تنعكس الظروف، فبدلاً من التكيف مع الواقع الجديد، يرفض أصحاب المنازل ببساطة البيع، ما يقلص المعروض في السوق، والنتيجة هي تجمد السوق بدلاً من تصحيح مساره.

وتراوح مبيعات الجاهزة للاستلام في الولايات المتحدة حالياً عند مستوى ضعيف، يبلغ نحو 4 ملايين وحدة سنوياً، وهو المستوى المتردي نفسه الذي شهدته البلاد عقب انفجار الفقاعة العقارية عام 2008.

في الوقت نفسه، حافظت متوسطات أسعار المنازل على استقرارها الحقيقي، بعد التعديل وفق التضخم، منذ أن بدأت معدلات الفائدة العقارية مسار الصعود أوائل عام 2022.

نتيجة لذلك، وصل مؤشر القدرة على تحمل تكاليف السكن، الذي يصدره بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، ويقارن بين متوسط الدخل ومتوسط أسعار المنازل، إلى مستويات سيئة للغاية، تضاهي المستويات التي تم تسجيلها في ذروة فقاعة الإسكان عام 2006.

وأصبح الشباب يرون أن امتلاك منزل أصبح حلماً بعيد المنال، وهم محقون في ذلك، حيث ارتفع متوسط عمر المشترين للمرة الأولى مؤخراً إلى 40 عاماً.

وإذا أردنا تفسيراً لاستمرار ضعف استطلاعات ثقة المستهلكين، حيث هبط مؤشر مؤسسة «كونفرنس بورد» مؤخراً لأدنى مستوياته منذ 12 عاماً، رغم التعافي الاقتصادي القوي، فسوق الإسكان هو نقطة البداية لفهم السبب، فهذا القطاع الحيوي، الذي يلامس حياة الجميع، يمر بحالة شلل تام.

ولا تقتصر الآثار السلبية لهذا الوضع على فئة الشباب فحسب، بل تمتد لتشكل عبئاً ثقيلاً على كاهل الاقتصاد الأمريكي بكامله، سواء بسبب خسارة النشاط الاقتصادي المباشر المرتبط بعمليات بيع المنازل، أو بسبب فقدان الديناميكية والمرونة الاقتصادية، فالأفراد المحتجزون في منازلهم الحالية، يمتنعون عن الانتقال إلى وظائف أكثر إنتاجية في مناطق أخرى، حيث تراجعت توقعات الأسر بشأن الانتقال والسكن في أماكن جديدة لأدنى مستوياتها التاريخية.

قد يبدو هذا الطلب القوي غير الملبى، بمثابة فرصة سانحة لشركات التطوير العقاري والمقاولات، إلا أن معدلات البدء في بناء منازل جديدة، تشهد تراجعاً مستمراً منذ عام 2022، كما تدهورت ثقة شركات البناء بشكل حاد.

وخلال السنوات الأخيرة، لجأت شركات البناء إلى تقديم تمويل مدعوم لجذب المشترين، إلا أن الارتفاع الأخير في معدلات الفائدة، جعل هذه البرامج أكثر كلفة.

في الوقت نفسه، قفز تضخم تكاليف مدخلات البناء إلى نحو 8 % في ربيع هذا العام، وظل ثابتاً عند هذا المستوى الرفيع.

أما على صعيد العمالة، فلا تكمن المشكلة الكبرى في التكلفة بقدر ما تكمن في توفر الأيدي العاملة.

وأشار مسح شركات البناء لشهر أغسطس، الصادر عن مؤسسة «جون بيرنز للبحوث»، إلى أن نقص العمالة أدى إلى إطالة الدورات الزمنية للبناء، وهي مشكلة أرجعها كثير من المقاولين إلى تشديد إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة.

وفي هذا السياق، أوضح ريك بالاسيوس، المسؤول لدى مؤسسة بيرنز: «كانت هناك شركات تطوير عقاري عديدة تعاني بالفعل من هشاشة هوامش أرباحها، حتى قبل أن تبدأ الفائدة والتكاليف في الارتفاع مجدداً.

وعندما تتراجع هوامش الربح لتصل إلى مستويات متوسطة في خانة الآحاد (بين 4 % و6 %)، يصبح ذلك دافعاً طبيعياً لتلك الشركات لإبطاء وتيرة الإنشاءات».

ورغم أن قطاع الإسكان لم يسهم تقريباً بأي شيء في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال العام الحالي والماضي، إلا أن الاقتصاد الأمريكي يواصل نموه، بل في الواقع، قد يكون الاقتصاد في حالة «سخونة مفرطة»، ما دفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة.

إلا أن هناك معضلة حقيقية تبرز هنا، فعادة ما كان قطاع الإسكان الشديد الحساسية لأسعار الفائدة هو القناة الرئيسة لانتقال أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي. وارتفاع أسعار الفائدة لن يؤدي إلا إلى زيادة الضغط على قطاع يعاني أصلاً أزمة خانقة.

لقد تحول العنصر الحاسم في الدورة الاقتصادية اليوم إلى الاستثمار في التكنولوجيا، وما رافقه من تراكم للثروات في سوق الأسهم.

ووفقاً لأحد التقديرات، أسهم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بنقطة مئوية كاملة في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الربع الثاني، وهو رقم يستبعد تراجعه خلال الربع الحالي.

والملاحظ أن هذا النوع من الاستثمارات يتسم -حتى الآن- بعدم حساسيته لمستويات أسعار الفائدة، إذ أجمعت كبرى الشركات وأكثرها ثراء في العالم، على أن المنافسة في الذكاء الاصطناعي مسألة وجودية.

بالتالي، فإن مصاريف الفائدة الإضافية تبدو ضئيلة، مقارنة بما تحملته تلك الشركات بالفعل من ارتفاع في أسعار رقائق السيليكون.

وأمام هذا الواقع، ماذا يستطيع الفيدرالي الأمريكي أن يفعل؟ هل يعترف بتراجع فاعلية أداته الرئيسة في السياسة النقدية، ويثبت أسعار الفائدة مع المخاطرة بارتفاع التضخم؟ أم يوجه ضربات أشد قسوة لقطاع الإسكان والقطاعات الدورية الأخرى، ما يفاقم الاختلال والتفاوت في بنية الاقتصاد؟ كلا الخيارين أحلاهما مر.

ومع اشتداد حمى الموسم الانتخابي، يجدر بالناخبين مساءلة المرشحين عن خططهم لمساعدة الراغبين في امتلاك منزل للمرة الأولى.

أما المحظوظون الذين حصلوا على التمويل الرخيص مثلي، فقد نالوا نصيبهم الكافي من الحظ بالفعل.