هل هي المحسوبية السياسية المتجذرة في ماليزيا؟ أم قبول الرشاوى في عالم الأعمال في نيجيريا؟ أم التفاوت الطبقي الحاد في البرازيل، حيث ينعم فاحشو الثراء بحياة الترف إلى جوار من يعيشون في بؤس مدقع؟
أولاً، أنه رغم عدم تفاقم الفساد الظاهر في الولايات المتحدة أو إيطاليا، ليصل إلى المستويات الحرجة الموجودة في العديد من الأسواق الناشئة الأخرى، فإن كلا البلدين يتراجعان بوضوح عن مكافحته.
ثانياً، ظهور الشعبوية في المشهد السياسي في البلدين بنمط متشابه. ثالثاً، وهو الأهم، بدأ سوق العمل الأمريكي يشبه نظيره الإيطالي في جانب جوهري واحد: تمسك كبار السن بالوظائف الجيدة، ومواجهة الشباب لصعوبة بالغة في العثور على فرص عمل لائقة.
وجاءت إيطاليا في مرتبة أدنى قليلا ًبدرجة 53، إلا أن التقرير أشار بالاسم إلى البلدين لتقاعسهما عن جهود مكافحة الفساد، فمقاومة إيطاليا لتجريم إساءة استخدام المسؤولين العموميين للسلطة، على سبيل المثال، وإضعاف إدارة ترامب لقانون مكافحة ممارسات الفساد الأجنبية، ينتميان إلى الفئة نفسها من السلوك.
وبالمثل أظهرت منظمة «فريدوم هاوس» أن كلا الدولتين سجلتا تحولات كبيرة نسبياً نحو اقتصاد سياسي أكثر سلطوية مقارنة بالدول الأخرى التي لا تزال تصنف ضمن فئة «الدول الحرة».
لم تعد الولايات المتحدة دولة استثنائية بأي مفهوم إيجابي، وأشعر أن المواطنين الأمريكيين بدأوا ينظرون إلى الفساد كونه ظاهرة متجذرة لا يستطيع الشعب فعل الكثير حيالها.
وهذا يذكرني باللامبالاة، التي يعبر عنها بهز الكتفين متسائلين «ماذا عسانا أن نفعل؟»، تجاه السلوك السياسي السيئ أو اقتصادات السوق السوداء، التي نراها في أماكن أخرى.
فوفقاً لاستطلاع حديث أجرته مؤسسة «جالوب» فإن نسبة الأمريكيين الذين يعتقدون أن الفساد واسع النطاق في الحكومة ارتفعت من 60% في 2006 إلى 89% اليوم، كما يتزايد التشاؤم الاقتصادي أيضاً، خصوصاً بين أوساط الشباب، ومن أكثر الأمور جذباً للانتباه في الاقتصاد الأمريكي اليوم هو:
كيف بدأ سوق العمل يعكس نظاماً مزدوجاً مقسماً حسب الفئات العمرية، وهو النظام الذي طالما أرّق دولاً أوروبية مثل إيطاليا، وأجبر الشباب على البقاء لسنوات أطول في منازل والديهم أو الهجرة بحثاً عن فرص أفضل للحراك الاجتماعي الصاعد.
ورغم أن بطالة الشباب في إيطاليا أعلى بكثير، إذ تبلغ نسبة هائلة تصل إلى 20%، إلا أن النسب متشابهة؛ حيث يبلغ معدل البطالة بين الشباب ضعف المعدل لدى العمال متوسطي العمر تقريباً.
ففرصك أقل، وكما أظهر باحثون أكاديميون مثل راج شيتي أصبحت أمريكا تشبه أوروبا القديمة في الحراك الاجتماعي، حيث أصبح لمكان ولادتك ولأي عائلة تنتسب أثر بالغ الأهمية في تحديد مدى رخائك المالي أو نجاحك من عدمه.
وفي ورقة بحثية نشرت في سبتمبر قدر مكتب التعداد السكاني الأمريكي أن الخريجين في المجالات الأكثر عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي سيواجهون انخفاضاً بنسبة 5 نقاط مئوية في احتمالية الحصول على الوظيفة الأولى، ودخلاً أقل بنسبة 13%.
ورغم وجود أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأنه يمكن لهذه التكنولوجيا أن تفيد الشباب في المستقبل مع انتقالهم بشكل أسرع إلى الوظائف والقطاعات الجديدة، التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي، إلا أن النتيجة قصيرة المدى هي على الأرجح زيادة عدد الشباب الساخطين والمحبطين.
وقد يؤدي ذلك بالتالي إلى إبطاء النمو الاقتصادي، ما يزيد تضرر الفئات الأصغر سناً والأشد فقراً، ويعزز الانقسامات السياسية بين جيل أبناء طفرة المواليد والناخبين الشباب، وبين التيار الوسطي والمتطرفين.

