لورينزو بيني سماجي-عضو سابق في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي
شهدت أسعار الفائدة طويلة الأجل ارتفاعاً حاداً ومطرداً خلال الأشهر القليلة الماضية في معظم الاقتصادات المتقدمة، ما أثار حالة من القلق والاضطراب في الأسواق المالية، خصوصاً بين حملة السندات. وقد دفع هذا القلق عوائد السندات نحو مزيد من الارتفاع، ليدخل السوق في حلقة مفرغة من الضغوط التصاعدية.
وفي أوروبا، بدأت ظلال أزمة الديون السيادية لعامي 2011 و2012 تلوح في الأفق من جديد. ومن أوضح المؤشرات على ذلك اتساع الفوارق بين عوائد السندات الحكومية في دول المركز ودول الأطراف، مع تعامل الأسواق المالية مع فرنسا باعتبارها جزءاً من دول الأطراف.
ومن نواحٍ عدة، يجد الاقتصاد الأوروبي نفسه اليوم في وضع مختلف تماماً، إذ يتمتع البنك المركزي الأوروبي بقدرة أفضل بكثير على معالجة التوترات في الأسواق المالية التي قد تهدد سلامة العملة الموحدة، حيث يمتلك أدوات وبرامج لشراء السندات تتيح له التعامل مع الارتفاعات المفاجئة في العوائد.
إلا أن الأمر الذي يصعب على المراقبين والمشاركين في الأسواق فهمه حتى الآن، هو استمرار البنك المركزي الأوروبي، في ظل هذه الضغوط الراهنة، في تطبيق سياسة التشديد الكمي.
وهي السياسة القائمة على تقليص حجم الميزانية العمومية للبنك عبر الامتناع عن إعادة استثمار أموال السندات الحكومية المستحقة.
وتؤدي هذه السياسة إلى إجبار مستثمري القطاع الخاص على استيعاب حصة أكبر من صافي المعروض من السندات الحكومية، في وقت تخضع فيه أسعار الفائدة طويلة الأجل لضغوط متزايدة تدفعها نحو الارتفاع.
وكان المركزي الأوروبي قد أطلق هذه السياسة في مارس 2023 بهدف إعادة حجم ميزانيته العمومية إلى «مستوياتها الطبيعية» بعد التوسع الهائل الذي شهدته خلال العقد الماضي. ورغم أن البنوك المركزية الكبرى الأخرى تبنت النهج نفسه آنذاك، إلا أن معظمها عاد وعدل خططه أو أوقف التقليص في ضوء التطورات المتلاحقة في الأسواق.
ويعود السبب في ذلك إلى أن المزايا والسلبيات المترتبة على تقليص الميزانية العمومية لم تخضع لدراسة كاملة أو نقاش علني كافٍ عند اتخاذ القرار، وهي مسائل تتطلب تقييماً دقيقاً.
وفي هذا الصدد، قام كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المعين حديثاً، بتشكيل فريق عمل برئاسة ثلاثة من كبار الخبراء الاقتصاديين لإجراء تقييم دقيق لهذه السياسة وتأثيراتها على الفيدرالي الأمريكي.
وفي المقابل، تعامل البنك المركزي الأوروبي مع مسألة العودة إلى المستويات الطبيعية للميزانية باعتبارها «التزام»، وهو توجه يبدو مدفوعاً بالحنين إلى العالم الذي سبق الأزمة المالية أكثر من استناده إلى تحليل دقيق.
والواقع أنه لا يوجد شيء «طبيعي» في حد ذاته فيما يتعلق بحجم الميزانية العمومية للبنك المركزي، خصوصاً عندما تتغير الظروف الاقتصادية وظروف السوق الأساسية بشكل جذري بمرور الوقت.
وتعد اللوائح التنظيمية المصرفية أحد الأمثلة على التغيرات التي طرأت منذ الأزمة المالية.
إذ أصبح لزاماً على المؤسسات المالية الاحتفاظ بكميات أكبر بكثير من الأصول السائلة عالية الجودة، بما في ذلك السندات الحكومية، لأغراض تتعلق بالسلامة المالية.
ومن شأن ذلك أن يفرض ضغوطاً إضافية على العوائد إذا طلب من البنوك مجدداً الحصول على السيولة من البنك المركزي مقابل رهن ضمانات إضافية.
كذلك، هناك وضع تحول آخر طرأ على طبيعة صناع سوق السندات الحكومية، مع بروز دور أكبر للمؤسسات المالية غير المصرفية مثل صناديق التحوط.
ونظراً لأن هذا الوضع ناجم عن اللوائح التنظيمية التي أعقبت الأزمة المالية، فإنه يجعل الأسواق عرضة للضغوط عند شح السيولة، وهو ما يظهر بوضوح في حالات شهدتها سوق سندات الخزانة الأمريكية.
فضلاً عن ذلك، فإن النظام الذي يفرض على البنوك الحصول على السيولة من البنك المركزي عبر عمليات إعادة التمويل بفائدة أعلى من فائدة الودائع والاحتياطيات الإلزامية، يفرض تكلفة إضافية على النظام المصرفي ككل، وهي تكلفة ينتقل عبئها في نهاية المطاف إلى عملاء البنوك.
كما يحفز هذا النظام البنوك على الاحتفاظ بكميات أكبر من السندات الحكومية، وهو ما يتناقض تماماً مع هدف تقليل التداخل والارتباط الهدام بين الديون السيادية والقطاع المصرفي؛ وهي حلقة مغلقة تؤدي فيها أزمة الديون السيادية إلى الضغط على السندات، وتزعزع استقرار البنوك، وتزيد من مخاطر تدخل الحكومات لإنقاذها.
وكان رد البنك المركزي الأوروبي على هذه الانتقادات بأن وتيرة التشديد الكمي لديه بطيئة نسبياً، وأنه رغم تحديد المبادئ العامة لإطار السيولة الجديد، فإن التوقيت الدقيق وضبط وتيرة الانتقال ضمن برنامج التشديد الكمي لا يزال غير محدد بدقة. إلا أن هذا الموقف يضيف حالة جديدة من عدم اليقين إلى الأسواق، ويضغط مجدداً على أسعار الفائدة الأوروبية طويلة الأجل نحو الارتفاع.
وفي الظروف الاقتصادية الراهنة، حيث يظل كبح التضخم هو الشاغل الأكبر، ينبغي تنفيذ السياسة النقدية بالدرجة الأولى عبر أداة السياسة التقليدية وهي أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
أما التحكم في حجم الميزانية العمومية فيجب أن يظل أداة ثانوية؛ إذ قد يتسبب في آثار غير مرغوبة لم نستوعب أبعادها بالكامل بعد.
بالتالي، فإن مبدأ الحيطة والحذر يقتضي تجميد برنامج التشديد الكمي مؤقتاً لحين استعادة استقرار البيئة المالية، واستغلال الوقت لفهم آثاره وتداعياته على الأسواق المالية بشفافية وعمق.